عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

4

اللباب في علوم الكتاب

فصل في الكلام على السفيه تقدم الكلام على السّفه في قوله : « كَما آمَنَ السُّفَهاءُ » وبالجملة فإن السفيه من لا يميّز ما له وما عليه ، فيعدل عن طريق ما ينفعه إلى ما يضره ، يوصف بالخفّة والسفه ، ولا شك أن الخطأ في باب الدين أعظم معرّة منه في باب الدنيا ، [ فإذا كان العادل عن الرأي واضحا في أمر دنياه يعدّ سفيها ، فمن يكون كذلك في أمر دينه كان أولى بهذا الاسم فلا كافر إلا وهو سفيه ، فهذا اللفظ ] « 1 » يمكن حمله على اليهود ، وعلى المشركين ، وعلى المنافقين وعلى جملتهم ، وذهب إلى كلّ واحد من هذه الوجوه قوم من المفسرين . قال ابن عباس ومجاهد : هم اليهود « 2 » ، وذلك لأنهم كانوا يأتسون بموافقة الرسول لهم في القبلة ، وكانوا يظنون أن موافقته لهم في القبلة ربما تدعوه إلى أن يصير موافقا لهم بالكلية ، فلما تحول عن ترك القبلة اغتمّوا وقالوا : قد عاد إلى طريقة آبائه ولو ثبت على قبلتنا لعلمنا أنه الرسول المنتظر المبشر به في التوراة ، فنزلت هذه الآية . قال ابن عباس والبراء بن عازب والحسن والأصم رضي اللّه عنهم : إنهم مشركو العرب « 3 » ، [ وذلك لأنه - عليه الصلاة والسلام - كان متوجها إلى « بيت المقدس » حين كان ب « بمكة » والمشركون ] « 4 » كانوا يتأذون منه بسبب ذلك ، فلما جاء إلى « المدينة » وتحول إلى الكعبة قالوا : رجع إلى موافقتنا ، ولو ثبت عليه لكان أولى به . وقال السدي : هم المنافقون إنما ذكروا ذلك استهزاء من حيث لا يتميز بعض الجهات عن بعض بخاصية معقولة تقتضي تحويل القبلة إليها ، فكان هذا التحويل مجرد العبث ، والعمل بالرأي والشهوة ، وإنما حملنا لفظ السفهاء على المنافقين ، لأن هذا الاسم مختص بهم ، قال اللّه تعالى : أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ [ البقرة : 13 ] . وقيل : يدخل فيه الكل ؛ لأن لفظ السفهاء لفظ عموم ، ودخل فيه الألف واللام ، وقد بيّنا صلاحيته لكلّ الكفار بحسب الدليل العقلي ، والنص أيضا يدلّ عليه ، وهو قوله : وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ [ البقرة : 130 ] . [ فإن قيل : المقصود من الآية بيان وقوع هذا الكلام منهم في الجملة ، وإن كان كذلك لم يكن ادعاء العموم فيه بعيدا .

--> ( 1 ) في أ : فيكون أولى بهذا الاسم وهذا اللفظ . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 3 / 130 ) عن مجاهد وابن عباس . ( 3 ) ما روي عن البراء أنهم اليهود وليسوا مشركي العرب فأخرجه الطبري ( 3 / 130 ) عنه أنهم اليهود . وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 262 ) عن البراء بن عازب وعزاه لوكيع وعبد بن حميد وأبي داود في ناسخه وابن المنذر وابن أبي حاتم . ( 4 ) سقط في أ .