عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
372
اللباب في علوم الكتاب
منها : أنّه - عليه السّلام - أحصر بالحديبية ونحر فيها ، وليست من الحرم . قال أصحاب أبي حنيفة : إنّما أحصر في طرف الحديبية ، الّذي أسفل مكّة ، وهو من الحرم . قال الواقديّ : الحديبية على طرف مكّة على تسعة أميال من مكّة « 1 » . قال القفّال « 2 » - رحمه اللّه - : الدّليل على [ أنّ نحر ذلك الهدي ما وقع في الحرم قوله تعالى : هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ] « 3 » [ الفتح : 25 ] . ومنها : أنّ المحصر سواء كان في المحلّ ، أو الحرم ، فهو مأمور بنحر الهدي بقوله : « فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ » ، فأوجب على المحصر الهدي سواء كان في الحلّ أو الحرم ، وإذا ثبت ذلك ؛ وجب أن يجوز له الذّبح ، حيث كان قادرا على إراقة الدّم . ومنها : أنّه تعالى إنّما مكن المحصر من التّحلل بالذّبح ؛ ليتمكن من تخليص نفسه في الحال عند خوف العدوّ ، فلم يجز النّحر إلّا في الحرم وما لم يحصل النّحر لا يحصل له التّحلل في الحال ، وذلك يناقض المقصود من مشروعيّة هذا الحكم ؛ لأن الموصل للنّحر إلى الحرم ، إن كان هو فالخوف باق ، وكيف يؤمر بهذا الفعل مع قيام الخوف ، وإن كان غيره ، فقد لا يجد ذلك الغير ، فماذا يفعل ؟ حجّة أبي حنيفة وجوه : الأوّل : أنّ المحلّ - بكسر الحاء - عبارة عن المكان كالمسجد والمجلس ، فقوله : « حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ » يدلّ على أنّه غير بالغ في الحال إلى مكان الحلّ ، وهو عندكم بالغ محلّه في الحال . وجوابه : أنّ المحلّ عبارة عن الزّمان كمحل الدّين . الثّاني : أن لفظ « المحلّ » يحتمل الزّمان والمكان إلّا أنّ اللّه - تعالى - أزال هذا الاحتمال بقوله : ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ [ الحج : 23 ] . وجوابه بأنّ كلّ ما وجب على المحرم في ماله من بدنة ، وجزاء هدي ، فلا يجزي إلّا في الحرم لمساكين أهله إلّا في موضعين : أحدهما : من ساق هديا ، فعطب في طريقه ذبحه ، وخلّى بين المساكين وبينه . والثّاني : دم المحصر بالعدوّ فينحر حيث حبس ، فالأدلّة المذكورة في باقي الدّماء فلم قلتم إنّها تتناول هذه الصّورة ؟ الثّالث : قالوا إنّما سمّي هديا ؛ لأنه جار مجرى الهديّة التي يبعثها العبد إلى ربّه
--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 127 . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 127 . ( 3 ) سقط في ب .