عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
369
اللباب في علوم الكتاب
فصل في الإحصار الإحصار : إنما يكون عن البيت ، أو عن عرفة . فأمّا عن الواجبات التي تجبر بالدم كالرّمي ، والمبيت بمزدلفة ، ونحوها ، فلا إحصار فيها ؛ لأن المحرم يتمكن من إتمام حجّة بجبرها بالدّم ، وإذا إحصر عن طريق ، وله طريق غيرها ، يتمكّن في الوصل إلى مكّة ، ويدرك الحجّ من غير زيادة في النفقة ، أو ميرة لا تجحف به « 1 » ، فليس بمحصر ، إذا كانت تلك الطّرق أمنا ، [ فإن لم تكن أمنا ] « 2 » ، أو كانت زيادة النّفقة تجحف بماله ، فهو محصر . فصل في قضاء المحصر إذا أحصر ، فلا قضاء عليه بالإحصار ؛ لأنه إن كان محرما بحجّ الفرض ، أو النّذر ، وكان ذلك في العام الذي وجب عليه الحجّ فيه ، لم يجب القضاء ؛ لأن شروط وجوب الحجّ لم تكمل ؛ لوجود الإحصار ، وإن كان ذلك في العام الثاني ، وجب عليه الحجّ للوجوب السّابق ، لا للإحصار ، وإن كان الحجّ تطوّعا ، فلا قضاء ؛ لأنّه لم يجب عليه ابتداء . قوله : « فما استيسر » ، « ما » موصولة ، بمعنى : الذي ، ويضعف جعلها نكرة موصوفة ، وفيها ثلاثة أقوال : أحدها : أنّها في محل نصب ، أي : فليهد ، أو فلينحر ، وهذا مذهب ثعلب . والثاني : ويعزى للأخفش « 3 » : أنه مبتدأ والخبر محذوف تقديره : فعليه ما استيسر . والثالث : أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره : فالواجب ما استيسر ، واستيسر هنا بمعنى يسر المجرّد كصعب ، واستصعب ، وغني واستغنى ، ويجوز أن يكون بمعنى : تفعّل نحو : تكبّر واستكبر ، وتعظّم واستعظم . وقد تقدّم ذلك . قوله : « من الهدي » فيه وجهان : أحدهما : أن تكون « من » تبعيضية ، ويكون محلها النّصب على الحال من الضّمير المستتر في « استيسر » العائد على « ما » ، أي : حال كونه بعض الهدي . والثاني : أن تكون « من » لبيان الجنس ، فتتعلق بمحذوف أيضا . وفي الهدي قولان : أحدهما : أنه . جمع هدية كجدي جمع جدية السّرج .
--> ( 1 ) في ب : تارة لا يخفف به . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) ينظر : معاني القرآن 1 / 162 .