عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
366
اللباب في علوم الكتاب
فقالا « 1 » : صدق . فدلّ ظاهر الآية ، والحديث عليه أيضا . وعلى القول الثّالث : فهو أنّ الإحصار اسم لمنع العدوّ ، فنقول : هذا باطل باتفاق أهل اللغة ، وبتقدير ثبوته ، يقيس المرض على العدوّ بجامع دفع الحرج ، وهو قياس جليّ ظاهر . وأمّا بتقدير مذهب ابن عباس ، وابن عمر ، وابن الزبير ، فلا شكّ أنّ قولهم أقوى ؛ لتقدمهم على هؤلاء الأدباء ، في معرفة اللغة ، ومعرفة تفسير القرآن . والحديث ضعيف ، ويمكن تأويله بأنّه إنّما يحل بالكسر ، والعرج ، إذا كان مشروطا في عقد الإحرام . كما روي : أنّ ضباعة بنت الزبير كانت وجعة ؛ فقال لها النبيّ صلى اللّه عليه وسلم وشرّف ، وكرّم ، وبجّل ، وعظّم : « حجّي واشترطي ، وقولي اللّهمّ محلّي حيث حبستني » « 2 » . ويؤكد هذا القول وجوه : أحدها : أنّ الإحصار : إفعال من الحصر ، والإفعال تارة يجيء بمعنى التعدية ؛ نحو : ذهب زيد ، وأذهبته أنا ، ويجيء بمعنى : صار ذا كذا ؛ نحو : أغدّ البعير ، أي : صار ذا غدّة ، وأجرب الرجل ، إذا صار ذا إبل جربى ، ويجيء بمعنى : وجدته بصفة كذا ؛ نحو : أحمدت الرجل ، أي وجدته محمودا . والإحصار لا يمكن أن يكون للتعدية ؛ فوجب إمّا حمله على الصيرورة ، أو على الوجدان ، والمعنى أنّهم صاروا محصورين ووجدوا محصورين . واتفق أهل اللّغة على أنّ المحصور هو الممنوع بالعدو ، لا بالمرض ، فوجب أن يكون معنى الإحصار : هو أنهم صاروا ممنوعين بالعدوّ ، وذلك يؤكّد ما قاله الشافعيّ . وثانيها : أنّ الحصر عبارة عن المنع ، وإنما يقال للإنسان : أنّه ممنوع من فعله ، ومحبوس عن مراده ؛ إذا كان الغير هو فاعل ذلك المنع والحبس . فالحصر : عبارة عن الكيفية الحاصلة عند اعتدال المزاج ، وسلامة الأعضاء ، وذلك مفقود في حقّ المريض ؛ لأنّه غير قادر على الفعل البتة ؛ فلا يحكم عليه بأنه ممنوع ، لأن إحالة الحكم على المانع تستدعي حصول المقتضي . أمّا إذا كان ممنوعا بالعدو ، - فها هنا - القدرة حاصلة إلّا أنه تعذّر الفعل ؛ لأجل
--> ( 1 ) ينظر : تفسير البغوي 1 / 168 . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 7 / 12 ) كتاب النكاح باب الأكفاء في الدين رقم ( 5089 ) ومسلم كتاب الحج ( 105 ، 108 ) والنسائي ( 5 / 168 ) وابن ماجة ( 2938 ) وأحمد ( 6 / 164 ، 202 ، 420 ) والبيهقي ( 7 / 137 ) والدارقطني ( 2 / 219 ) وابن حبان ( 973 ) وابن خزيمة ( 2602 ) والشافعي في « مسنده » ( 123 ، 389 ) وابن الجارود في « المنتقى » ( 420 ) والطبراني في « الكبير » ( 11 / 363 ) .