عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
353
اللباب في علوم الكتاب
في الحقيقة هو المجرور بالباء ، تقديره : ولا تفضوا بأيديكم إلى التّهلكة ؛ كقولك : أفضيت بجنبي إلى الأرض ، أي : طرحته على الأرض ، ويكون قد عبّر بالأيدي عن الأنفس كقوله : بِما قَدَّمَتْ يَداكَ [ الحج : 10 ] فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [ الشورى : 30 ] لأنّ بها البطش والحركة ، وظاهر كلام أبي البقاء « 1 » فيما حكاه عن المبرّد : أن « ألقى » يتعدّى بالباء أصلا ك « مررت بزيد » ، والأولى حمله على ما ذكرناه . والهمزة في « ألقى » للجعل على صفة ، نحو : أطردته ، أي : جعلته طريدا ، الهمزة فيه : ليست للتعدية ؛ لأنّ الفعل متعدّ قبلها ، فمعنى « ألقيت الشيء » : جعلته لقى ، فهو « فعل » بمعنى « مفعول » ؛ كما أن الطريد « فعيل » بمعنى « مفعول » ؛ كأنه قيل : لا تجعلوا أنفسكم لقى إلى التّهلكة . والتّهلكة : مصدر بمعنى « الهلاك » ، يقال : هلك يهلك هلكا ، وهلاكا ، وهلكاء ، على وزن فعلاء ، ومهلكا ومهلكة ، مثلّث العين ، وتهلكة ، وقال الزمخشري : « ويجوز أن يقال : أصلها التّهلكة ؛ بكسر اللام ، كالتّجربة ؛ على أنه مصدر من هلّك - يعني بتشديد اللام - فأبدلت الكسرة ضمّة ؛ كالجوار والجوار » ، وردّ أبو حيّان بأنّ فيه حملا على شاذّ ، ودعوى إبدال ، لا دليل عليها ؛ وذلك أنه أنه جعله تفعلة بالكسر ، مصدر « فعّل » بالتشديد ، ومصدره ، إذا كان صحيحا غير مهموز على « تفعيل » ، و « تفعلة » فيه شاذّ ، وأمّا تنظيره له بالجوار والجوار ، فليس بشيء ، لأنّ الضمّ فيه شاذّ ، فالأولى أن يقال : إنّ الضّمّ أصل غير مبدل من كسر ، وقد حكى سيبويه « 2 » ممّا جاء من المصادر على ذلك التّضرّة والتّسرّة . قال ابن عطيّة : « وقرأ « 3 » الخليل التّهلكة ، بكسر اللام ، وهي تفعلة ، من هلّك بتشديد اللام » وهذا يقوّي قول الزمخشري . وزعم ثعلب والجارزنجي أنّ « تهلكة » لا نظير لها ، وليس كذلك . قال أبو علي : حكى سيبويه التّضرّة والتّسرّة قال : « ولا نعلمه جاء صفة » « 4 » . قال ابن الخطيب « 5 » - رحمه اللّه تعالى - إنّي لأتعجّب كثيرا من تكلّفات هؤلاء النّحاة في أمثال هذه المواضع ، وذلك أنّهم وجدوا نقلا عن أعرابيّ مجهول يكون حجتّهم فيه ، ففرحوا به ، واتخذوه حجّة قويّة ، ودليلا قاطعا ، وقالوا : قد نقل هذا عن العرب ؛ فكيف ، وقد ورد هذا في كلام اللّه تعالى المشهور له من كلّ واحد من الموافق والمخالف
--> ( 1 ) ينظر : الإملاء 1 / 85 . ( 2 ) ينظر : الكتاب 2 / 327 . ( 3 ) انظر : المحرر الوجيز 1 / 265 ، والدر المصون 1 / 483 . ( 4 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 116 . ( 5 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 116 .