عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
341
اللباب في علوم الكتاب
ومعنى قوله : « وَلا تَعْتَدُوا » أي : لا تقتلوا النّساء والصّبيان ، والشيخ الكبير والرّهبان ، ولا من ألقى إليكم السّلم « 1 » ؛ قاله ابن عبّاس ومجاهد وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عبّاس : نزلت هذه الآية في صلح الحديبية ؛ وذلك أنه - عليه الصّلاة والسّلام - خرج مع أصحابه - رضي اللّه عنهم - إلى العمرة وكانوا ألفا وأربعمائة ، فنزلوا الحديبية ، وهو موضع كثير الشّجر ، والماء ، فصدّهم المشركون عن دخول البيت الحرام ، فأقام شهرا ، لا يقدر على ذلك ، ثم صالحوه على أن يرجع ذلك العام ، ويرجع إليهم في العام الثّاني ، ويتركون له مكّة ثلاث أيام ، حتّى يطوف ، وينحر الهدي ، ويفعل ما يشاء ، فرضي الرّسول - صلوات اللّه وسلامه عليه دائما أبدا - بذلك ، فلمّا كان العام المقبل ، تجهّز رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم وشرّف ، وكرّم ، وبجّل ، ومجّد ، وعظّم - وأصحابه لعمرة القضاء ، وخافوا ألّا تفي قريش بما قالوا ، وأن يصدّوهم عن البيت ، وكره أصحاب رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - قتالهم في الشهر الحرام ، وفي الحرم ، فأنزل اللّه تعالى : « وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ » يعنى محرمين « الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ » يعني قريشا « وَلا تَعْتَدُوا » فتبدءوا بالقتال في الحرم محرمين « 2 » . فصل في اختلافهم في المراد من قوله « الذين يقاتلونكم » اختلفوا في المراد بقوله : « الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ » : إمّا على وجه الدّفع عن الحجّ ، أو على وجه المقاتلة ابتداء . وقيل : قاتلوا كلّ من فيه أهلية للقتال سوى جنح للسّلم ؛ قال تعالى : وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها [ الأنفال : 61 ] . فإن قيل : هب أنه لا نسخ في الآية ؛ فما السّبب في أنّ اللّه تبارك وتعالى أمر أوّلا بقتال من يقاتل ، ثمّ في آخر الأمر ، أذن في قتالهم ، سواء قاتلوا ، أو لم يقاتلوا ؟ فالجواب : أنّ في أوّل الأمر كان المسلمون قليلين ، وكانت المصلحة تقتضي استعمال الرّفق ، والمجاملة ، فلمّا قوي الإسلام ، وكثر الجمع ، وأقام من أقام منهم على الشّرك بعد ظهور المعجزات ، وتكرّرها عليهم ، وحصل اليأس من إسلامهم ، فلا جرم أمر اللّه تعالى بقتالهم على الإطلاق . قوله تعالى : حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ [ البقرة : 191 ] « حيث » منصوب بقوله : « اقتلوهم »
--> ( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 3 / 563 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 370 ) وزاد نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس وأخرجه الطبري أيضا ( 3 / 563 ) عن عدي بن أرطأة وعن مجاهد مثله . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 3 / 577 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 372 ) وزاد نسبته لابن أبي حاتم عن أبي العالية .