عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

336

اللباب في علوم الكتاب

وهذا يدلّ على أنّ ذلك مخصوص به ، وأنّه كان في ذلك ينتظر القضاء من ربّه ، وليس كذلك غيره . قوله : « وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا » كقوله : لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا [ البقرة : 177 ] وقد تقدم ؛ إلا أنه لم يختلف هنا في رفع « البرّ » ؛ لأنّ زيادة الباء في الثاني عيّنت كونه خبرا ، وقد تقدّم لنا أنّها قد تزاد في الاسم . وقرأ « 1 » أبو عمرو ، وحفص ، وورش « البيوت » و « بيوت » و « الغيوب » و « شيوخا » بضمّ أوّلها ؛ وهو الأصل ، وقرأ الباقون بالكسر ؛ لأجل الياء ، وكذلك في تصغيره ، ولا يبالي بالخروج من كسر إلى ضم ؛ لأنّ الضمة في الياء ، والياء بمنزلة كسرتين ؛ فكانت الكسرة التي في الباء كأنها وليت كسرة ، قاله أبو البقاء « 2 » - رحمه اللّه - . و « من » في قوله : « مِنْ ظُهُورِها » و « مِنْ أَبْوابِها » متعلقة بالإتيان ، ومعناها ابتداء الغاية ، والضمير في « ظهورها » و « أبوابها » للبيوت ، وجيء به كضمير المؤنثة الواحدة ؛ لأنه يجوز فيه ذلك . وقوله : « وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى » كقوله - تبارك وتعالى - : وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ [ البقرة : 177 ] يعني : تقديره : برّ من آمن كما مضى ؛ ولمّا تقدّم جملتان خبريتان ، وهما : « وَلَيْسَ الْبِرُّ » « وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى » عطف عليهما جملتان أمريتان ، الأولى للأولى ، والثانية للثانية ، وهما : « وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها » « وَاتَّقُوا اللَّهَ » وفي التصريح بالمفعول في قوله : « وَاتَّقُوا اللَّهَ » دلالة على أنه محذوف من اتّقى ، أي اتّقى اللّه . فصل في سبب نزول الآية قال الحسن ، والأصمّ : كان الرّجل في الجاهليّة ، إذا همّ بشيء ، فتعسّر عليه مطلوبه ، لم يدخل بيته من بابه ، بل يأتيه من خلفه ، ويبقى على هذه الحالة حولا كاملا ، فنهاهم اللّه « 3 » ؛ لأنّهم كانوا يفعلونه تطيّرا ، وعلى هذا : تأويل الآية الكريمة « ليس البر أن تأتوا البيوت من ظهورها » على وجه التطيّر « ولكنّ البرّ من يتّقي اللّه ، ولم يتّق غيره ، ولم يخف شيئا ممّا كان يتطيّر به ، بل توكّل على اللّه تعالى ، واتّقاه » ثمّ قال : « وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ » أي : لتفوزوا بالخير في الدّين والدّنيا ؛ لقوله تعالى : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [ الطلاق : 2 - 3 ] وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً [ الطلاق : 4 ] وتحقيقه : أن من رجع خائبا يقال : ما أفلح ، فيجوز أن يكون الفلاح المذكور في الآية هو أنّ الواجب عليكم أن تتّقوا اللّه ؛ حتّى تصيروا مفلحين ، وقد وردت

--> ( 1 ) انظر : حجة القراءات 127 ، والحجة 2 / 280 - 282 ، والعنوان 73 ، وشرح شعلة 286 ، وشرح الطيبة 4 / 93 ، 94 ، وإتحاف فضلاء البشر 1 / 432 . ( 2 ) ينظر : الإملاء 1 / 84 . ( 3 ) ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 369 ) وعزاه لعبد بن حميد عن الحسن .