عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
301
اللباب في علوم الكتاب
والثاني : أنه بمعنى الإفعال ، فيكون استفعل وأفعل بمعنى ، وقد جاءت منه ألفاظ ؛ نحو : أقرّ واستقرّ ؛ وأبلّ المريض واستبلّ وأحصد الزّرع واستحصد ، واستثار الشّيء وأثاره ، واستعجله وأعجله ، ومنه استجابه وأجابه ، وإذا كان استفعل بمعنى أفعل ، فقد جاء متعدّيا بنفسه ، وبحرف الجرّ ، إلا أنه لم يرد في القرآن إلّا معدّى بحرف الجرّ نحو : فَاسْتَجَبْنا لَهُ [ الأنبياء : 84 ] فَاسْتَجابَ لَهُمْ [ آل عمران : 195 ] ومن تعدّيه بنفسه قول كعب الغنوي : [ الطويل ] 949 - وداع دعا يا من يجيب إلى النّدى * فلم يستجبه عند ذاك مجيب « 1 » ولقائل أن يقول : يحتمل هذا البيت : أن يكون ممّا حذف منه حرف الجرّ . واللام لام الأمر ، وفرّق الرّمّانيّ بين أجاب واستجاب : بأنّ « استجاب » لا يكون إلا فيما فيه قبول لما دعي إليه ؛ نحو : فَاسْتَجَبْنا لَهُ * فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ ، وأمّا « أجاب » فأعمّ ، لأنه قد يجيب بالمخالفة ، فجعل بينهما عموما وخصوصا . والجمهور على « يرشدون » بفتح الياء وضمّ الشين ، وماضيه : رشد بالفتح ، وقرأ « 2 » أبو حيوة وابن أبي عبلة بخلاف عنهما بكسر الشين ، وقرىء بفتحها ، وماضيه رشد بالكسر ، وقرىء : « يرشدون » مبنيّا للمفعول ، وقرىء : « يرشدون » بضم الياء وكسر الشين من « أرشد » ، والمفعول على هذا محذوف ، تقديره : يرشدون غيرهم « والرّشد » هو الاهتداء لمصالح الدّين والدّنيا ؛ قال تبارك وتعالى : فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً [ النساء : 6 ] وقال أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً [ الحجرات : 7 - 8 ] . قال القرطبي « 3 » : و « الرّشد » خلاف الغيّ ، وقد رشد يرشد رشدا ورشد - بالكسر - يرشد رشدا لغة فيه وأرشده اللّه والمراشد : مقاصد الطّرق والطريق الأرشد نحو الأقصد وأمّ راشد كنية للفأرة ، وبنو رشدان بطن من العرب عن الجوهريّ . وقال الهرويّ : الرّشد والرّشد والرّشاد : الهدى والاستقامة ؛ ومنه قوله تعالى : « يرشدون » . فإن قيل : إجابة العبد للّه تعالى إن كانت إجابة بالقلب واللّسان ، فذاك هو الإيمان ، وعلى هذا ، فيكون قوله : « فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي » تكرارا محضا ، وإن كانت إجابة العبد للّه تعالى عبارة عن الطاعات كان الإيمان مقدّما على الطاعات ، وكان حقّ النّظم أن يقول : « فليؤمنوا بي وليستجيبوا لي » فلم جاء على العكس .
--> ( 1 ) تقدم برقم 229 . ( 2 ) انظر الشواذ 12 ، والمحرر الوجيز 1 / 256 ، والبحر المحيط 2 / 54 ، والدر المصون 1 / 472 . ( 3 ) ينظر : تفسير القرطبي 2 / 209 .