عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

298

اللباب في علوم الكتاب

كان معلوم الوقوع ، فلا فائدة باشتغالكم بإبطال الدّعاء ، وإن كان معلوم العدم ، لم يكن إلى إنكاركم حاجة . والجواب عن الثّانية : علم اللّه تعالى وكيفيّة قضائه وقدره غائبة عن العقول والحكمة الإلهيّة تقتضي أن يكون العبد معلّقا بين الرّجاء والخوف اللّذين بهما يتمّ العبودية ، ولهذا صحّحنا القول بالتّكاليف مع الاعتراف بإحاطة علم اللّه تعالى بالكلّ وجريان قضائه وقدره في الكلّ ، ولهذا الإشكال سألت الصحابة - رضي اللّه عنهم - رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فقالوا : أرأيت أعمالنا هذه أشيء فرغ منه ، أم أمر يستأنفه ؟ فقال : « بل أمر فرغ منه » فقالوا : ففيم العمل إذن ؟ قال : « اعملوا فكلّ ميسّر لما خلق له » فانظر إلى لطائف هذا الحديث ، فإنه - عليه الصلاة والسلام - علّقهم بين أمرين ، فرهّبهم سابق القدر المفروغ منه ، ثم ألزمهم العمل الذي هو مدرجة التعبّد ، فلم يبطل ظاهر العمل بما يفيد من القضاء والقدر ، ولم يترك أحد الأمرين للآخر ، وأخبر أنّ فائدة العمل هو المقدّر المفروغ ، فقال : « كلّ ميسّر لما خلق له » يريد أنّه ميسّر في أيّام حياته للعمل الذي سبق له القدر قبل وجوده وكذا القول في باب الكسب والرّزق فإنه مفروغ منه في الأصل لا يزيده الطّلب ، ولا ينقصه التّرك . والجواب عن الثالثة : أنه ليس المقصود من الدعاء الإعلام بالمطلوب ، بل إظهار العبوديّة والذلّة والانكسار والرّجوع إلى اللّه تعالى بالكلّيّة . والجواب عن الرابعة : أنه يجوز أن يصير ما ليس بمصلحة مصلحة بحسب سبق الدعاء . والجواب عن الخامسة : إذا كان مقصوده من الدّعاء إظهار الذلّة والمسكنة ، ثم بعده الرضا بما قدّره اللّه تعالى وقضاه ، فذلك من أعظم المقامات ، وهذا الجواب أيضا عن بقيّة الشّبه . فإن قيل : إنّه تعالى قال « ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ » ، وقال هنا « أجيب دعوة الدّاعي إذا دعان » ، وقال أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ [ النمل : 62 ] ثم إنا نرى الداعي يبالغ في الدّعوات والتضرّع ، فلا يجاب . فالجواب من وجوه : أحدها : أن هذه الآيات ، وإن كانت مطلقة إلّا أنه وردت في آية أخرى مقيّدة ، وهو قوله تعالى : بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ [ الأنعام : 41 ] والمطلق يحمل على المقيّد . وثانيها : قوله - صلى اللّه عليه وسلم - : « دعوة المسلم لا تردّ إلّا لإحدى ثلاث : ما لم يدع بإثم ، أو