عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

294

اللباب في علوم الكتاب

الخامس : قال قتادة وغيره : إنّ الصحابة قالوا : كيف ندعو ربنا ، يا رسول اللّه ، فنزلت الآية « 1 » . السادس : قال عطاء وغيره : إن الصحابة سألوا في أي ساعة ندعو ربنا فأنزل اللّه الآية « 2 » . السابع : قال الحسن : سأل أصحاب النبي - صلى اللّه عليه وسلم - فقالوا : أين ربّنا ؟ فأنزل اللّه الآية « 3 » . فصل [ في المرادمن الآية ] واعلم أنّ المراد من الآية الكريمة ليس هو القرب بالجهة ؛ لأنّه تبارك وتعالى ، لو كان في مكان ، لما كان قريبا من الكلّ ، بل كان يكون قريبا من حملة العرش ، وبعيدا من غيرهم ، ولكان إذا كان قريبا من زيد الذي بالشّرق ، كان بعيدا من عمرو الذي بالمغرب ، فلمّا دلّت الآية الكريمة على كونه تعالى قريبا من الكلّ ، علمنا أنّ القرب المذكور في الآية الكريمة ليس قربا بجهة ، فثبت أن المراد منه أنه قريب بمعنى أنه يسمع دعاءهم . والمراد من هذا القرب العلم والحفظ ؛ على ما قال : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ [ الحديد : 4 ] وقال وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ ق : 16 ] وقال تعالى : ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ [ المجادلة : 7 ] ونظيره : وهو بينكم وبين أعناق رواحلكم . قال ابن الخطيب : وإذا عرف هذا فنقول : لا يبعد أن يقال : إنه كان في بعض أولئك الحاضرين من كان قائلا بالتّشبيه ، فقد كان من مشركي العرب ، وفي اليهود وغيرهم من هذه طريقته ، فإذا سألوه - عليه الصلاة والسلام - أين ربّنا ؟ صحّ أن يكون الجواب : فإنّي قريب ، فإنّ القريب من المتكلّم يسمع كلامه ، وإن سألوه كيف يدعون ؛ برفع الصّوت أو بإخفائه ؟ صحّ أن يجيب بقوله : « فَإِنِّي قَرِيبٌ » ، وإن سألوه أنه هل يعطينا مطلوبنا بالدّعاء ؟ صحّ هذا الجواب ، وإن سألوه : إنا إذا أذنبنا ثم تبنا ، فهل يقبل اللّه توبتنا ؟ صحّ أن يجيب بقوله « فَإِنِّي قَرِيبٌ » أي : فأنا القريب بالنظر إليهم ، والتجاوز عنهم ، وقبول التّوبة منهم ؛ فثبت أنّ هذا الجواب مطابق للسّؤال على كلّ تقدير . قوله تعالى : « أُجِيبُ » فيها وجهان : أحدهما : أنها جملة في محلّ رفع صفة ل « قريب » . والثاني : أنها خبر ثان ل « إنّي » ؛ لأنّ « قريب » خبر أوّل .

--> ( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » 3 / 482 - 483 عن قتادة . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 3 / 482 ) عن عطاء ، وذكره الرازي في « تفسيره » 5 / 81 . ( 3 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 3 / 481 ) وذكره السيوطي « الدر المنثور » ( 1 / 352 ) وزاد نسبته لعبد الرزاق في « تفسيره » عن الحسن وذكره الرازي في « تفسيره » 5 / 81 .