عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
282
اللباب في علوم الكتاب
[ المزمل : 15 - 16 ] ، ومن هنا قال ابن عبّاس : « لن يغلب عسر يسرين » وضابط هذا أن يحلّ محلّ الثاني ضمير النكرة الأولى ؛ ألا ترى أنه لو قيل : فعصاه ، لكان كلاما صحيحا » ؟ قال أبو حيان : « وما قاله ابن عطية لا يتأتّى هنا ؛ لأنه ذكر هو والمعربون أن « هدى » منصوب على الحال ، والحال وصف في ذي الحال ، وعطف عليه « وبيّنات » ، فلا يخلو قوله « من الهدى » - المراد به الهدى الأول - من أن يكون صفة لقوله « هدى » أو لقوله « وبيّنات » أو لهما ، أو متعلّقا بلفظ « بيّنات » ، لا جائز أن يكون صفة ل « هدى » ؛ لأنه من حيث هو وصف ، لزم أن يكون بعضا ، ومن حيث هو الأول ، لزم أن يكون إياه ، والشيء الواحد لا يكون بعضا كلّا بالنسبة لماهيّته ، ولا جائز أن يكون صفة لبينات فقط ؛ لأنّ « وبيّنات » معطوف على « هدى » و « هدى » حال ، والمعطوف على الحال حال ، والحالان وصف في ذي الحال ، فمن حيث كونهما حالين تخصّص بهما ذو الحال ؛ إذ هما وصفان ، ومن حيث وصفت « بيّنات » بقوله : « من الهدى » خصصناها به ، فتوقّف تخصيص القرآن على قوله : « هدى وبيّنات » معا ، ومن حيث جعلت « من الهدى » صفة ل « بيّنات » ، وتوقّف تخصيص « بيّنات » على هدى ، فلزم من ذلك تخصيص الشيء بنفسه ، وهو محال ، ولا جائز أن يكون صفة لهما ؛ لأنه يفسد من الوجهين المذكورين من كونه وصف الهدى فقط ، أو بينات فقط . ولا جائز أن يتعلّق بلفظ « بيّنات » ؛ لأنّ المتعلّق قيد في المتعلّق به ؛ فهو كالوصف ؛ فيمتنع من حيث يمتنع الوصف ، وأيضا : فلو جعلت هنا مكان الهدى ضميرا ، فقلت : منه - أي : من ذلك الهدى - لم يصحّ ؛ فلذلك اخترنا أن يكون الهدى والفرقان عامّين ، حتى يكون هدى وبينات بعضا منهما » . قوله تعالى : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ إلى قوله : تَشْكُرُونَ نقل الواحديّ في « البسيط » عن الأخفش والمازنيّ أنهما قالا : الفاء في قوله « فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ » زائدة ؛ قالا : وذلك لأنّ الفاء قد تدخل للعطف ، أو للجزاء ، أو تكون زائدة ، وليس لكونها للعطف ، ولا للجزاء هاهنا وجه ؛ ومن زيادة الفاء قوله تعالى : قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ [ الجمعة : 8 ] . قال : وأقول : يمكن أن تكون « الفاء » هاهنا للجزاء ؛ فإنه تعالى لما بيّن رمضان مختصّا بالفضيلة العظيمة التي لا يشاركه سائر الشّهور فيها ، فبيّن أنّ اختصاصه بتلك الفضيلة يناسب اختصاصه بهذه العبادة ، ولولا ذلك ، لما كان لتقديم بيان تلك الفضيلة هاهنا وجه ، كأنه قيل : لما علم اختصاص هذا الشهر بهذه الفضيلة ، فأنتم أيضا خصصتموه بهذه الفضيلة أي العبادة ، وأما قوله تعالى : فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ [ الجمعة : 8 ] الفاء فيه غير زائدة أيضا ، بل هذا من باب مقابلة الضّدّ بالضدّ ؛ كأنه قيل : لمّا فرّوا من