عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

280

اللباب في علوم الكتاب

والجواب الثاني : أن المراد منه : أنّ ابتداء نزوله ليلة القدر من شهر رمضان ، وهو قول محمّد بن إسحاق « 1 » ؛ وذلك لأنّ مبادئ الملل والدّول هي الّتي يؤرّخ بها ؛ لكونها أشرف الأوقات ، ولأنّها أيضا أوقات مضبوطة . واعلم أن الجواب الأول حمل للكلام على الحقيقة ، وفي الثاني : لا بدّ من حمله على المجاز ؛ لأنّه حمل للقرآن على بعض أجزائه . روي أن [ عبد اللّه بن ] عمر بن الخطّاب - رضي اللّه عنه - استدلّ بهذه الآية الكريمة ، وبقوله إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [ القدر : 1 ] على أن ليلة القدر لا تكون إلّا في رمضان ، وذلك لأنّ ليلة القدر ، إذا كانت في رمضان ، كان إنزاله في ليلة القدر إنزالا في رمضان ، وهذا كمن يقول : « لقيت فلانا في هذا الشّهر » ، فيقال له : في أيّ يوم منه ؟ فيقول : في يوم كذا ، فيكون ذلك تفسيرا لكلامه الأول وقال سفيان بن عيينة : « أنزل فيه القرآن » ، معناه : أنزل ، في فضله القرآن « 2 » ، وهذا اختيار الحسين بن الفضل ؛ قال : وهذا كما يقال : « أنزل في الصّدّيق كذا آية » يريدون في فضله « 3 » . قال ابن الأنباريّ : أنزل في إيجاب صومه على الخلق القرآن الكريم ؛ كما يقال أنزل اللّه في الزّكاة آية كذا ؛ يريدون في إيجابها وأنزل في الخمر ، يريدون في تحريمها . فصل [ في التنزيل في شهر رمضان ] قد تقدّم في قوله تعالى : وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا [ البقرة : 23 ] أنّ التنزيل مختصّ بالنّزول على سبيل التّدريج ، والإنزال مختص بما يكون النزول فيه دفعة واحدة ولهذا قال تبارك وتعالى : نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ [ آل عمران : 3 ] إذا ثبت هذا ، فنقول : لمّا كان المراد هاهنا من قوله « شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ » إنزاله من اللوح المحفوظ إلى سماء الدّنيا - لا جرم ذكره بلفظ « الإنزال » دون « التّنزيل » ، وهذا يدلّ على أن هذا القول راجح على سائر الأقوال . قوله : « هدى » في محلّ نصب على الحال من القرآن ، والعامل فيه « أنزل » وهدى مصدر ، فإمّا أن يكون على حذف مضاف ، أي : ذا هدى ، أو على وقوعه موقع اسم الفاعل ، أي : هاديا ، أو على جعله نفس الهدى مبالغة . قوله : « للنّاس » يحوز فيه وجهان : أحدهما : أن يتعلق ب « هدى » على قولنا بأنه وقع موقع « هاد » ، أي : هاديا للناس . والثاني : أن يتعلّق بمحذوف ؛ لأنه صفة للنكرة قبله ، ويكون محلّه النّصب على

--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 73 . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 73 . ( 3 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 73 .