عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
278
اللباب في علوم الكتاب
والثاني : أنه مشتقّ عنده من قرنت بين الشيئين ، فيكون وزنه على هذا « فعالا » وعلى الأول « فعلانا » وذلك أنه قد قرن فيه بين السّور ، والآيات ، والحكم ، والمواعظ . وقال الفرّاء : أظنّ أنّ القرآن سمّي من القرائن ، وذلك أنّ الآيات يصدّق بعضها بعضا على ما قال تعالى : وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [ النساء : 82 ] . وأما قول من قال : إنّه مشتقّ من قريت الماء في الحوض ، أي : جمعته ، فغلط ؛ لأنّهما مادّتان متغايرتان . وروى الواحديّ في « البسيط » « 1 » عن محمّد بن عبد اللّه بن الحكم ، أنّ الشافعيّ - رضي اللّه عنه - كان يقول القرآن اسم ، وليس بمهموز ، ولم يؤخذ من « قرأت » ، وإنما هو اسم لكتاب اللّه ؛ مثل التوراة والإنجيل ، قال : ويهمز قراءة ، ولا يهمز القرآن ، كما يقول : وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ [ الإسراء : 45 ] قال الواحديّ « 2 » - رحمه اللّه - : وقول الشافعيّ - رضي اللّه عنه - أنّه اسم لكتاب اللّه تعالى ، يشبه أنه ذهب إلى أنه غير مشتقّ ، والذي قال بأنّه مشتقّ من القرء ، وهو الجمع ، أي : جمعته ، هو الزّجّاج وأبو عبيدة « 3 » ، قالا : إنّه مأخوذ من القرء وهو الجمع . قال عمرو بن كلثوم : 943 أ - . . . * هجان اللّون لم تقرأ جنينا أي : لم تجمع في رحمها ولدا ، ومن هذا الأصل : قرء المرأة ، وهو أيّام اجتماع الدّم في رحمها ، فسمّي القرآن قرآنا ، لأنه يجمع السّور وينظمها . وقال قطرب « 4 » : سمّي قرآنا ؛ لأنّ القارئ يكتبه ، وعند القراءة كأنّه يلقيه من فيه أخذا من قول العرب : ما قرأت النّاقة سلى قطّ ، أي : ما رمت بولد ، وما أسقطت ولدا قطّ ، وما طرحت ، وسمّي الحيض قرءا بهذا التّأويل ، فالقرآن [ يلفظه القارئ ] من فيه ، ويلقيه ، فسمّي قرآنا . و « القرآن » مفعول لم يسمّ فاعله ؛ ثم إنّ المقروء يسمّى قرآنا ؛ لأن المفعول يسمّى بالمصدر ؛ كما قالوا للمشروب شراب ، وللمكتوب كتاب . واشتهر هذا الاسم في العرف ؛ حتّى جعلوه اسما لكتاب اللّه تعالى على ما قاله الشّافعيّ - رضي اللّه عنه . ومعنى « أنزل فيه القرآن » ، أي : ظرف لإنزاله . قيل : « نزلت صحف إبراهيم في أوّل يوم من رمضان ، وأنزلت التوراة لستّ مضين ،
--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 73 . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 73 . ( 3 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 74 . ( 4 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 74 .