عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

259

اللباب في علوم الكتاب

فصل في أصل السّفر واشتقاقه أصل السّفر من الكشف ، وذلك أنه يكشف عن أحوال الرّجال وأخلاقهم ،

--> - وإنّما وجب عليهما قضاء الصّوم دون الصلاة ؛ للفرق بينهما - وهو أنّ الصّلاة تتكرر في اليوم خمس مرات ، بخلاف الصوم فإنّه شهر في السّنة . وأمّا العجز الحسّي عن الصوم ، فهو ما لحق صاحبه مشقّة لا تحتمل عادة ، وله أسباب : الأول : المرض : فيباح للمريض ترك صوم رمضان إذا كان يحصل له بسبب الصوم مشقة لا تحتمل عادة سواء كان هذا المرض يرجى زواله أم لا لقوله تعالى : « فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ » ؛ ولقوله تعالى : « ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ » . ولا تتوقف إباحة الفطر للمريض على قول طبيب عدل بحصول المشقة المذكورة إذا صام ، بل يكفي أن يتضرّر المريض بالصّوم ، وأنه يدرك الألم الحاصل له بسبب الصوم ، ولا يلزم المريض تبييت النيّة ليلا إذا كان المرض الذي عنده مطبقا ، أي مستمرّا ليلا ونهارا أمّا إذا كان غير مطبق ، بأن كان متقطعا ؛ كالحمى الّتي توجد في وقت وتنقطع في وقت آخر ، فيفصل فيه ، فإن كان المرض غير موجود قبيل الفجر لزمه تبييت النيّة ؛ لاحتمال الشفاء ، وعدم عودة المرض ، ثمّ إن عاد المرض جاز له الفطر ، وإلّا فلا . أمّا إذا كان المرض موجودا قبيل الفجر ، فلا يلزمه التبييت ، ويلزمه قضاء ما ترك . ثم إذا أصبح الصحيح صائما ، ثمّ مرض في أثناء النهار - جاز له الفطر ، لأنه أبيح له الفطر للضرورة ، والضرورة موجودة . الثاني : كبر السّنّ فلا يجب الصوم على كبير السن الذي يلحقه بسبب الصوم مشقة لا تحتمل عادة ، سواء كان الكبير رجلا أو امرأة ؛ لقوله تعالى : « ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ » ، والظّاهر أنّه لا يجب عليه تبييت النّيّة ؛ لأن عذره - وهو الكبر - دائم ، فلا يحتمل الزّوال . الثالث : الاشتغال بعمل يشقّ معه الصوم مشقة لا تحتمل عادة ، فيباح الفطر للبنّائين ، والفعلة ، والخبّازين ، ومن ماثلهم من كلّ ذي عمل شاقّ ، وذكرا كان أو أنثى إلّا أنّه يلزمه تبييت النيّة لأنّ الأصل بقاء القدرة ، ثمّ إن لحقه بالنهار المشقة المذكورة ، أفطر ، وإلّا فلا ، ولا يجوز له ترك النّيّة ليلا . الرابع : شدة الجوع والعطش ، فيباح الفطر لمن لحقه ذلك ، بل إذا غلبه الجوع أو العطش ، وخشي الهلاك - لزمه الفطر ، وإن كان صحيحا مقيما لقوله تعالى : « وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً » ، وقوله تعالى : « وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ » ويلزمه القضاء ؛ كالمريض . قال الغزالي في « المستصفى » : من خاف الهلاك ؛ لترك الأكل ، حرم عليه الصوم ، وإن صام ، ففي انعقاده وجهان : أصحهما : انعقاده مع الإثم . الخامس : خوف المرضع حصول مشقة شديدة لها بسبب الصوم ، سواء كانت مستأجرة أو متبرعة وكما يباح الفطر للمرضعة ؛ لخوفها على نفسها من حصول المشقة المذكورة بسبب الصوم ، يباح لها الفطر أيضا ؛ لخوفها على رضيعها ؛ بأن تخاف قلّة اللّبن ، فيتضرّر الرضيع . وسيأتي أنها إذا أفطرت لخوفها على نفسها ، ولو مع الرضيع ، لا يجب عليها إلّا القضاء فقط . أمّا إذا خافت على رضيعها فقط ، وأفطرت - وجب عليها القضاء بدلا عن الصوم ، وفي الكفارة ثلاثة أوجه : أحدها : وهو المتفق عليه من الأصحاب وجوبها ، وهي عبارة عن مدّ لكل يوم ، لقوله تعالى : « وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ » . -