عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

253

اللباب في علوم الكتاب

وصامت يوما في السّنة ، زعموا أنه يوم أن غرق فيه فرعون ، وكذبوا في ذلك أيضا ؛ لأن ذلك اليوم يوم عاشوراء على لسان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؛ وأما النصارى ، فإنهم صاموا رمضان زمانا طويلا ، فصادفوا فيه الحرّ الشديد ، فكان يشقّ عليهم في أسفارهم ومعايشهم ، فاجتمع رأي علمائهم على أن يجعلوا صيامهم في فصل من السّنة بين الشّتاء والصّيف ، فجعلوه في الرّبيع ، وحوّلوه إلى وقت لا يتغيّر ، ثم قالوا عند التّحويل : زيدوا فيه عشرة أيّام كفّارة لما صنعوا ؛ فصار أربعين يوما ، ثم إنّ ملكا منهم اشتكى ، فجعل للّه عليه ، إن برئ من وجعه : أن يزيد في صومهم أسبوعا ، فبرئ ، فزادوه ، ثمّ جاء بعد ذلك ملك آخر ؛ فقال : ما هذه الثلاثة ، فأتمّه خمسين يوما ، وهذا معنى قوله : اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ « 1 » [ التوبة : 31 ] . قاله الحسن . وثالثها : قال مجاهد : أصابهم موتان ، فقالوا : زيدوا في صيامكم ، فزادوا عشرا قبل وعشرا بعد « 2 » . ورابعها : قال الشعبي : إنهم « 3 » أخذوا بالوثيقة ، وصاموا قبل الثلاثين يوما ، وبعدها يوما ، ثم لم يزل الأخير يستسن بالقرن الذي قبله ، حتى صاروا إلى خمسين يوما ، ولهذا كرّه صوم يوم الشّكّ « 4 » .

--> ( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 3 / 411 ) عن السدي . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 3 / 410 ) عن الشعبي وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 322 ، 323 ) وتفسير البغوي 1 / 149 . ( 3 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 60 . ( 4 ) صوم يوم الشّكّ ، وهو يوم الثلاثين من شعبان ، إذا تحدّث الناس برؤية الهلال ، ولم يشهد بها أحد ، أو شهد بها جمع لا يعتدّ بشهادتهم ؛ كالصبيان والنساء ، والعبيد ، ولا بدّ أن يكون صدقهم محتملا ، أمّا إذا لم يكن محتملا - بأن أطبق الناس على كذبهم - ، فلا يكون يوم شكّ ، بل هو من شعبان ، وكذا إن لم يتحدث برؤيته ، ولم يشهد بها أحد ، أو شهد بها واحد ممّن ذكر سابقا ، فلا يكون اليوم يوم شك ، بل هو من شعبان ، وإن أطبق الغيم ؛ لخبر : فإن غم عليكم ، فأكملوا عدّة شعبان ثلاثين يوما . ويدل على كراهته كراهة تحريم : ما روي عن عمار بن ياسر ؛ أنه قال : من صام يوم الشّكّ فقد عصى أبا القاسم . ومحلّ كراهة صومه ؛ إذا لم يكن له سبب يقتضيه ، أما إذا كان له سبب يقتضي صومه ، فلا كراهة . ومن الأسباب التي تقتضي صومه : أن يوافق عادة له في تطوع ؛ كأن كان يصوم الاثنين والخمسين من كل أسبوع ، فوافق أحدهما يوم الشّكّ ، أو كان يصوم يوما ويفطر يوما ، فوافق يوم الشّكّ يوم صومه ؛ لخبر الصحيحين : « لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين ، إلا رجل كان يصوم يوما فليصمه » كأن اعتاد صوم الدهر ، أو صوم يوم وإفطار يوم ، ومثل يوم الشّك في عدم جواز صومه إلا لسبب النصف الثاني من شعبان ، فإذا انتصف شعبان ، لا يجوز الصوم إلا إذا كان عن نذر ، أو كفارة ، أو قضاء . أو كان يصوم يوما ويفطر يوما أو اعتاد صوم أيّام مخصوصة ؛ فله أن يصوم ما اعتاده ؛ والسّر في النهي عن صومه ؛ أن في إفطاره إبقاء قوة الجسم ، وحفظ قدرته على صوم رمضان . ومحلّ عدم جواز صومه إذا لم يصله بما قبله ، أما إذا وصله بما قبله ولو بالخامس عشر ، فلا كراهة . -