عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

235

اللباب في علوم الكتاب

الثاني : أن الخير هو المال الكثير ؛ لأن من ترك درهما لا يقال ترك خيرا ، ولا يقال : فلان ذو مال ، إلّا أن يكون ماله مجاوزا حدّ الحاجة ، ولو كانت الوصيّة واجبة في كلّ ما يترك ، سواء كان قليلا أو كثيرا ، لما كان التقييد بقوله : « إن ترك خيرا » كلاما مفيدا ؛ لأنّ كلّ أحد لا بدّ وأن يترك شيئا ، وأمّا من يموت عريانا ، ولا يبقى منه كسرة خبز ، فذلك في غاية النّدرة ، وإذا ثبت أن المراد بالخير هنا المال الكثير ، فهل هو مقدّر ، أم لا ؟ فيه قولان : الأول : أنه مقدّر ، واختلفوا في مقداره ؛ فروي عن عليّ - رضي اللّه عنه - : أنه دخل على مولى لهم في الموت ، وله سبعمائة درهم ، فقال أولا أوصي ؟ فقال : لا ؛ إنّما قال اللّه : « إِنْ تَرَكَ خَيْراً » والخير : هو المال الكثير ، وليس لك مال . وعن عائشة : أنّ رجلا قال لها : إنّي أريد أن أوصي ، قالت : كم مالك ؟ قال : ثلاثة آلاف ، قالت : كم عيالك ؟ قال أربع ، قالت : قال اللّه تعالى : « إِنْ تَرَكَ خَيْراً » وإنّ هذا يسير ، فاتركه لعائلتك ، فهو أفضل « 1 » . وعن ابن عبّاس : « إذا ترك سبعمائة درهم ، فلا يوصي ، فإن بلغ ثمانمائة درهم ، أوصى » « 2 » وعن قتادة : ألف درهم « 3 » ، وعن النّخعيّ : من ألف وخمسمائة درهم « 4 » . وقال قوم : إنه غير مقدّر بمقدار معيّن بل يختلف باختلاف حال الرجال « 5 » . فصل في تحرير معنى « الوصيّة » قال القرطبيّ « 6 » : و « الوصيّة » « 7 » عبارة عن كلّ شيء يؤمر بفعله ، ويعهد به في

--> ( 1 ) ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 319 ) ، وعزاه لسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر والبيهقي عن عائشة . ( 2 ) أخرجه عبد الرزاق وسعيد بن منصور عن ابن عباس كما في « الدر المنثور » ( 1 / 319 ) . ( 3 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 51 . ( 4 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 3 / 395 ) عن إبراهيم النخعي . ( 5 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 52 . ( 6 ) ينظر : تفسير القرطبي 2 / 174 . ( 7 ) الوصايا لغة : جمع وصيّة ، قال ابن القطّاع : يقال وصيّت إليه وصاية ووصيّة ، ووصيته وأوصيته ، وأوصيت إليه ، ووصيت الشيء بالشيء وصيا : وصلته . قال الأزهري : وسميت الوصيّة وصيّة ، لأن الميّت لما أوصى بها ، وصل ما كان فيه من أيّام حياته بما بعده من أيام مماته ؛ يقال : وصّى وأوصى بمعنى ، ويقال : وصى الرجل أيضا ، والاسم : الوصيّة والوصاة . انظر : المصباح المنير 2 / 662 ، والصحاح 6 / 525 ، والمغرب 2 / 357 ، ولسان العرب : 6 / 4853 . واصطلاحا : عرفها الحنفية بأنها : تمليك مضاف إلى ما بعد الموت بطريق التبرع . -