عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
231
اللباب في علوم الكتاب
وقيل : المراد هو التقوى من كلّ الوجوه . قال الجبّائيّ « 1 » : هذا يدلّ على أنّه تعالى أراد التّقوى من الكلّ ، سواء كان في المعلوم أنهم يتّقون أو لا يتّقون بخلاف قول المجبرة ، وقد سبق جوابه . فإن قيل « لعلّ » للتّرجّي ، وهو في حقّ اللّه تعالى محال ، فجوابه ما سبق في قوله تعالى : وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [ البقرة : 21 ] . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 180 ] كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ( 180 ) قال القرطبيّ « 2 » في الكلام تقدير واو العطف ، أي : « و كُتِبَ عَلَيْكُمْ » ، فلما طال الكلام ، سقطت الواو ، ومثله في بعض الأقوال : لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى [ الليل : 15 ، 16 ] ، أي : والذي تولّى فحذف . وقوله : « كتب » مبنيّ للمفعول ، وحذف الفاعل للعلم به ، وهو اللّه تعالى ، وللاختصار . وفي القائم مقام الفاعل ثلاثة أوجه : أحدها : أن يكون الوصيّة ، أي : « كتب عليكم الوصيّة » وجاز تذكير الفعل لوجهين : أحدها : كون القائم مقام الفاعل مؤنّثا مجازيا . والثاني : الفصل بينه وبين مرفوعه . والثاني : أنّه الإيصاء المدلول عليه بقوله : « الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ » أي : كتب هو أي : الإيصاء ، وكذلك ذكر الضّمير في قوله : فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ [ البقرة : 181 ] وأيضا : أنّه ذكر الفعل ، وفصل بين الفعل والوصيّة ؛ لأنّ الكلام ، لمّا طال ، كان الفاصل بين المؤنّث والفعل ، كالمعوّض من تاء التّأنيث ، والعرب تقول : حضر القاضي امرأة فيذكرون ؛ لأنّ القاضي فصل بين الفعل وبين المرأة . والثّالث : أنه الجارّ والمجرور ، وهذا يتّجه على رأي الأخفش ، والكوفيين ، و « عليكم » في محلّ رفع على هذا القول ، وفي محلّ نصب على القولين الأوّلين . قوله تعالى : « إِذا حَضَرَ » العامل في « إذا » « كتب » على أنّها ظرف محض وليس متضمّنا للشّرط ، كأنّه قيل : « كتب عليكم الوصيّة وقت حضور الموت » ولا يجوز أن يكون العامل فيه لفظ « الوصيّة » ؛ لأنّها مصدر ، ومعمول المصدر لا يتقدّم عليه لانحلاله لموصول وصلة ، إلّا على مذهب من يرى التّوسّع في الظّرف وعديله ، وهو أبو الحسن ؛ فإنّه لا يمنع ذلك ، فيكون التّقدير : « كتب عليكم أن توصوا وقت حضور الموت » .
--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 50 . ( 2 ) ينظر : تفسير القرطبي 2 / 173 .