عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

227

اللباب في علوم الكتاب

الدّية محرّمان على أهل التّوراة ، وفي شرع النّصارى العفو فقط ، ولم يكن لهم القصاص ، فخير اللّه تعالى هذه الأمّة بين القصاص ، وبين العفو على الدّية تخفيفا منه ورحمة . وقيل إنّ قوله : « ذلك » راجع إلى قوله « فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ » و « مِنْ رَبِّكُمْ » في محلّ رفع ؛ لأنّه صفة لما قبله ، فيتعلّق بمحذوف . ورحمة صفتها محذوفة أيضا ، أي : « رحمة من ربّكم » . قوله « فَمَنِ اعْتَدى » يجوز في « من » الوجهان الجائزان في قوله « فَمَنْ عُفِيَ لَهُ » من كونها شرطيّة وموصولة ، وجميع ما ذكر ثمّة يعود هنا . فصل [ في معني اعتدي ] قال ابن عبّاس : « اعتدى » ، أي : جاوز الحدّ إلى ما هو أكثر منه ، قال ابن عبّاس ، وقتادة ، والحسن : هو أن يقتل بعد العفو ، وأخذ الدّية « 1 » ، وذلك أنّ الجاهليّة كانوا إذا عفوا ، وأخذوا الدية ، ثم ظفروا بالقاتل ، قتلوه ، فنهى اللّه عن ذلك في قوله « فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ » ، وفيه قولان : أشهرهما : أنه نوع من العذاب شديد الألم في الآخرة . والثاني : روي عن قتادة ، والحسن ، وسعيد بن جبير : هو أن يقتل لا محالة ، ولا يعفو عنه ، ولا يقبل منه الدّية ؛ لقوله - عليه الصّلاة والسّلام - « لا أعافي أحدا قتل بعد أخذ الدّية » « 2 » . قال القرطبيّ « 3 » من قتل بعد أخذ الدّية ؛ كمن قتل ابتداء ، إن شاء الوليّ قتله وإن شاء ، عفا عنه ، وعذابه في الآخرة ، وهذا قول مالك ، والشافعيّ وجماعة . وقال قتادة وعكرمة ، والسّدّيّ ، وغيرهم : عذابه أن يقتل البتّة ، ولا يمكن الحاكم الوليّ من العفو . قال ابن الخطيب « 4 » وهذا القول ضعيف ؛ لأن المفهوم من العذاب الأليم عند الإطلاق هو عذاب الآخرة ، وأيضا : فإنّ القود تارة يكون عذابا ؛ كما هو في حقّ غير التائب ، وتارة يكون امتحانا ؛ كما في حقّ التائب ، فلا يصحّ إطلاق العذاب عليه إلّا في وجه دون وجه .

--> ( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 3 / 378 ) عن ابن عباس ، وذكره الفخر الرازي في « التفسير الكبير » ( 5 / 48 ) . ( 2 ) أخرجه أحمد ( 14968 - شاكر ) وأبو داود ( 4507 ) والطيالسي في « مسنده » ( 1763 ) والطبري في « تفسيره » ( 3 / 376 ) وعبد الرزاق في « تفسيره » ص 16 وابن عدي في « الكامل » ( 6 / 2392 ) . وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 317 ) وعزاه لسمويه في فوائده عن سمرة بن جندب مرفوعا . ( 3 ) ينظر : تفسير القرطبي 2 / 171 . ( 4 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 48 .