عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

219

اللباب في علوم الكتاب

الثالث : أنه تبارك وتعالى أوجب في أول الآية الكريمة رعاية المماثلة ، وهو قوله « كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى . . » ، فلما ذكر عقيبه قوله : « الْحُرُّ بِالْحُرِّ ، وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ » ، دلّ على أن رعاية التّسوية في الحرّيّة والعبوديّة معتبرة ؛ لأن قوله : « الحرّ بالحرّ والعبد بالعبد » خرج مخرج التّفسير لقوله « كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى » ، فإيجاب القصاص على الحرّ بقتل العبد إهمال لرعاية التّسوية ؛ فوجب ألّا يكون مشروعا ؛ ويؤيّد ما ذكرنا قوله صلى اللّه عليه وسلم : « لا يقتل حرّ بعبد ، ولا مؤمن بكافر » « 1 » ، فإن أخذ الخصم بقوله تعالى : « وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ » ، فالجواب من وجهين : أحدهما : هذه الآية شرع من قبلنا وليس شرعا لنا ، والآية التي نحن فيها شرعنا ، فهذا أقوى في الدّلالة . والثاني : أن هذه الآية الكريمة مشتملة على أحكام النّفوس على التفصيل والتّخصيص ، وتلك عامّة ، والخاصّ متقدّم على العامّ ، ثم قال أصحاب هذا القول إنّ ظاهر الآية يقتضي ألّا يقتل العبد بالحرّ ولا تقتل الأنثى بالذّكر ، إلّا إذا خالفنا هذا الظاهر ؛ للإجماع وللمعنى المستنبط من نسق هذه الآية الكريمة ، وذلك المعنى غير موجود في الحرّ بالعبد ؛ فوجب أن يبقى هاهنا على ظاهر اللّفظ ، أمّا الإجماع فظاهر ، وأمّا المعنى المستنبط ، فهو أنه لمّا قتل العبد بالعبد ، فلأن يقتل بالحرّ الذي هو فوقه أولى ، بخلاف الحر ، فإنّه لمّا قتل بالحرّ ، لا يلزم : أن يقتل بالعبد الّذي هو دونه ، وكذا القول في قتل الأنثى بالذّكر ، وأمّا قتل الذّكر بالأنثى ، فليس فيه إلّا الإجماع . القول الثاني : أنّ قوله تعالى : « الْحُرُّ بِالْحُرِّ » لا يفيد الحصر ، بل يفيد شرع القصاص بين الذّكور من غير أن يكون فيه دلالة على سائر الأقسام ؛ واحتجّوا عليه بوجهين : الأول : أنّ قوله : « وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى » يقتضي قصاص المرأة الحرّة بالمرأة الرقيقة ، فلو كان قوله « الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ . . » مانعا من ذلك ، لوقع التناقض . الثاني : أنّ قوله تعالى « كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى . . » جملة تامّة مستقلّة بنفسها . وقوله : « الْحُرُّ بِالْحُرِّ » تخصيص لبعض الجزئيّات بالذّكر ، وتخصيص بعض الجزئيّات بالذّكر لا يمنع من ثبوت الحكم ؛ كسائر الجزئيّات ، وذلك التخصيص يمكن أن يكون لفائدة سوى نفي الحكم عن سائر الصّور ، ثم اختلفوا في تلك الفائدة ، فذكروا فيها وجهين :

--> ( 1 ) أخرجه أبو داود ( 4 / 666 - 667 ) كتاب الدّيات : باب إيقاد المسلم بالكافر حديث ( 4530 ) والنسائي ( 8 / 19 ) كتاب القسامة : باب القود بين الأحرار والحاكم ( 2 / 141 ) وأحمد ( 1 / 119 ) من حديث علي بن أبي طالب بلفظ : المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم ويرد عليهم أقصاهم وهم يد على من سواهم ولا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده .