عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
216
اللباب في علوم الكتاب
بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ « 1 » [ البقرة : 178 ] . والعفو : أن يقبل الدية في العبد : « فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ » تتبع بالمعروف ، وتؤدي بإحسان ، « ذلك تخفيف من ربّكم ورحمة » مما كتب على من كان قبلكم ، « فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ ، فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ » فمن قتل بعد قبول الدّية ، هذا لفظ البخاريّ . وقال الشّعبيّ في قوله تعالى : « الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى » قال : نزلت في قبيلتين من قبائل العرب اقتتلا قتال عمية ، فقالوا : نقتل بعبدنا فلان ، ابن فلان ، وبأمتنا فلانة بنت فلان ، ونحوه عن قتادة « 2 » . فصل في المراد بقوله « كُتِبَ عَلَيْكُمُ » قوله : « كُتِبَ عَلَيْكُمُ » : معناه : « فرض عليكم » ، فهذه اللفظة تقتضي الوجوب من وجهين : أحدهما : أن قوله كتب في عرف الشرع يفيد الوجوب . قال تعالى : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ [ البقرة : 183 ] وقال : كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ [ البقرة : 180 ] وقد كانت الوصية واجبة ، ومنه الصلوات المكتوبات أي : المفروضات قال عليه السلام « ثلاث كتبت عليّ ولم تكتب عليكم » . والثاني : لفظة « عليكم » مشعرة بالوجوب ؛ لقوله وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [ آل عمران : 97 ] . والقصاص : أن يفعل بالإنسان مثل ما فعل ، فهو عبارة عن التّسوية ، والمماثلة في الجراحات ، والدّيات . وقيل « كتب » هنا إخبار عمّا كتب في اللّوح المحفوظ ، وقوله « في القتلى » ، أي : بسبب القتلى ، كما تقدّم ؛ فدلّ ظاهر الآية على وجوب القصاص على جميع المؤمنين بسبب قتل جميع القتلى ، إلّا أنّهم أجمعوا على أنّ غير القاتل خارج عن هذا الفارق ، أمّا القاتل ، فقد دخله التخصيص أيضا في صور كثيرة ؛ وهي ما إذا قتل الوالد ولده ، والسّيّد عبده ، وفيما إذا قتل مسلم مسلما خطأ ، إلّا أنّ العامّ إذا دخله التخصيص ، يبقى حجّة فيما عداه .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 6 / 52 ) كتاب التفسير باب سورة البقرة ( 4498 ) والنسائي ( 8 / 37 ) رقم ( 4781 ) والبيهقي ( 8 / 51 ) والطبري في « تفسيره » ( 3 / 373 ) وعبد الرزاق في « تفسيره » ص 16 وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 317 ) وزاد نسبته لسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في « ناسخه » عن ابن عباس موقوفا . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 3 / 359 ) عن الشعبي ، وزاد نسبته السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 316 ) لعبد بن حميد .