عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
211
اللباب في علوم الكتاب
إليهم ، ثم إنه تعالى أكّد ذلك بقوله : « إذا عاهدوا » ، فلا وجه لحمله على ما سيكون لزومه ابتداء من قبله تعالى . وأجيب : بأنه تعالى ، وإن ألزمهم هذه الأشياء ، لكنهم من عند أنفسهم قبلوا ذلك الإلزام ، والتزموه ، فصحّ إضافة العهد إليهم من هذا الوجه « 1 » . القول الثاني : أن يحمل ذلك على الأمور التي يلتزمها المكلّف ابتداء من عند نفسه . واعلم أنّ هذا العهد إمّا أن يكون بين العبد وبين اللّه تعالى ؛ كاليمين والنّذر ، وما أشبهه ، أو بينه وبين رسول اللّه ؛ كالبيعة ؛ من القيام بالنّصرة والمجاهدة ، والمظاهرة ، وموالاة من والاه ، ومعاداة من عاداه ، أو بينه وبين النّاس ، وقد يكون ذلك واجبا ؛ مثل : ما يلتزمه في عقود المعاوضات من التّسليم والتّسلّم ، والشرائط التي يلتزمها في السّلم ، والرّهن « 2 » وغيره ،
--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 37 . ( 2 ) الرّهن يطلق لغة على العين المرهونة . قال ابن سيدة : الرّهن ما وضع عند الإنسان مما ينوب مناب ما أخذ منه ؛ يقال : رهنت فلانا رهنا وارتهنته : إذا أخذه رهنا ، والرهينة والرهن واحدة الرهائن ، والهاء للمبالغة ؛ كالتشيمة والشتم ، ثم استعملا في معنى المرهون ؛ فقيل : هو رهن بكذا ، أو رهينة بكذا ، وفي الحديث : « كل غلام رهينة بعقيقته » ومعناه : أن العقيقة لازمة له لا بد منها ، فشبهه في لزومها ، وعدم انفكاكه منها ، بالرّهن في يد المرتهن . قال الخطابي : تكلّم الناس في هذا ، وأجود ما قيل فيه : ما ذهب إليه أحمد بن حنبل قال : هذا في الشفاعة ، يريد : أنه إذا لم يعقّ عنه ، فمات طفلا - لم يشفع في والديه ، أي : إن كل غلام محبوس ومرهون عن الشفاعة ؛ بسبب ترك العقيقة عنه . وقيل : معناه أنه مرهون بأذى شعره ؛ واستدلّوا بقوله : « فأميطوا عنه الأذى » وهو ما علق به من دم الرحم ، ورهن الشيء يرهنه رهنا ، ورهن عنده كلاهما : جعله عنده رهنا ، ورهنه عنه : جعله رهنا بدلا منه قال الشاعر : ارهن بنيك عنهم أرهن بنيّ ، أي : أرهن أنا بنيّ كما فعلت أنت ، ويطلق على الدّوام والحبس ، قال ابن عرفة : الرّهن في كلام العرب هو الشيء الملزم ؛ يقال : هذا راهن لك ، أي : دائم محبوس عليك ، وقوله تعالى : كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ، كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ أي : محتبس بعمله ورهينة محبوسة بكسبها ، وحديث : « نفس المؤمن مرهونة بدينه حتى يقضى عنه » أي : محبوسة عن مقامها الكريم ؛ قال الشاعر : وفارقتك برهن لا فكاك له * يوم الوداع فأمسى الرهن قد غلقا شبّه لزوم قلبه لها ، واحتباسه عندها لشدة وجده بها - بالرهن الذي يلزمه المرتهن ، فيبقيه عنده ولا يفارقه ، وكلّ شيء ثبت ودام - فقد رهن ، ورهن لك الشيء : أقام ودام ، وطعام راهن : مقيم ؛ قال : الخبز واللحم لهم راهن * وقهوة راووقها ساكب وأنشد الأعشى يصف قوما يشربون خمرا لا تنقطع : لا يستفيقون منها وهي راهنة * إلا بهات وإن علّوا وإن نهلوا ورهن الشيء رهنا : دام وثبت ، وراهنة في البيت : ثابتة ، ورهين والرهن اسمان ؛ قال أبو ذؤيب : عرفت الديار لأم الرهي * ن بين الظباء فوادي عشر ويطلق على الكفالة : أنا لك رهن بالرّي وغيره ، أي : كفيل ؛ قال : إنّي ودلوي لها وصاحبي * وحوضها الأفيح ذا النصائب رهن لك بالري غير الكاذب -