عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

21

اللباب في علوم الكتاب

الصلاة والسلام - كان يصلّي إلى الكعبة ، ثم أمر بالصلاة إلى « بيت المقدس » بعد الهجرة تأليفا لليهود ، ثم حول إلى الكعبة فقال : « وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ » الجهة « الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها » أولا يعني : وما رددناك إليها إلا امتحانا للناس . الثاني : يجوز أن يكون قوله : « الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها » لسانا للحكمة في جعل بيت المقدس قبلة يعني أصل أمرك أن تستقبل الكعبة ، وأن استقبالك « بيت المقدس » كان أمرا عارضا لغرض ، وإنما جعلنا القبلة الجهة التي كنت عليها قبل وقتك هذا ، وهي « بيت المقدس » لنمتحن الناس ، وننظر من يتبع الرسول ، ومن لا يتبعه وينفر عنه . وذكر أبو مسلم وجها ثالثا فقال : لولا الروايات لم تدلّ الآية على قبلة من قبل الرسول - عليه الصلاة والسلام - عليها ، لأنه قد يقال : كنت بمعنى : صرت ، كقوله تعالى : « كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ » وقد يقال : كان في معنى لم يزل كقوله تعالى : وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً [ النساء : 158 ] فلا يمتنع أن يراد بقوله : « وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها » أي : التي لم تزل عليها ، وهي الكعبة إلّا كذا وكذا . قوله : « إِلَّا لِنَعْلَمَ » قد تقدم أنه في أحد الأوجه يكون مفعولا ثانيا . وأما على غيره فهو استثناء مفرّغ من المفعول العام ، أي : ما سبب تحويل القبلة لشيء من الأشياء إلّا لكذا . وقوله : « لنعلم » ليس على ظاهره ، فإن علمه قديم ، ونظره في الإشكال قوله : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ [ محمد : 31 ] . وقوله : الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً [ الأنفال : 66 ] ، وقوله : لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى [ طه : 42 ] ، وقوله : فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا [ العنكبوت : 3 ] . وقوله : وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ [ سبأ : 21 ] ، فلا بد من التأويل وهو من أوجه : أحدها : لتمييز التابع من النّاكص إطلاقا للسبب ، وإرادة للمسبّب . وقيل : على حذف مضاف أي : لنعلم رسولنا فحذف ، كما يقول الملك : فتحنا البلدة الفلانية بمعنى : فتحها أولياؤنا . ومنه يقال : فتح عمر السّواد . ومنه قوله عليه الصلاة والسلام فيما يحكيه عن ربه : « استقرضت عبدي فلم يقرضني ، وشتمني ولم يكن ينبغي له أن يشتمني يقول : وادهراه وأنا الدهر » . وفي الحديث : « من أهان لي وليّا فقد أهانني » . وقيل : معناه : إلا لنرى . فصل [ في قول ابن أبي طالب ] قال القرطبي رحمه اللّه : وهذا قول ابن أبي طالب وقول العرب ، تضع العلم مكان