عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
204
اللباب في علوم الكتاب
الآية ترتيب الوجود الخارجيّ ، لا الترتيب الذّهنيّ ؛ فدخل تحت الإيمان باللّه معرفته ، ودخل تحت الإيمان باليوم الآخر معرفة ما يلزم من أحكام العقاب ، والثّواب ، والمعاد ، ودخل تحت الإيمان بالملائكة ما يتّصل بإتيانهم الرسالة إلى الأنبياء ؛ ليؤدّوها إلينا إلى غير ذلك ممّا يجب أن يعلم من أحوال الملائكة ، ودخل تحت الإيمان بالكتاب القرآن ، وجميع ما أنزل اللّه على أنبيائه ، ودخل تحت الإيمان بالنّبيّين الإيمان بنبوّتهم ، وصحّة شريعتهم ، فلم يبق شيء مما يجب الإيمان به ، إلّا دخل تحت هذه الآية . وتقرير آخر : وهو أنّ للمكلّف مبتدأ ووسطا ، ونهاية ، ومعرفة المبدأ والنهاية ؛ هو المراد من الإيمان باللّه تعالى ، واليوم الآخر . وأمّا معرفة الوسط ، فلا يتمّ إلّا بالرّسالة ، وهي لا تتمّ إلا بثلاثة أمور : الملك الآتي بالوحي ، ونفس الوحي ، وهو الكتاب ، والموحى إليه ، وهو الرسول - عليه الصلاة والسلام - . وفي تقديمه الإيمان على أفعال الجوارح ؛ من إيتاء المال ، والصلاة ، والزّكاة - تنبيه على أن أعمال القلوب أشرف من أعمال الجوارح . الأمر الثاني من الأمور المعتبرة في تحقيق البرّ قوله : وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ [ البقرة : 177 ] ، فالجار والمجرور في محلّ نصب على الحال العامل فيه « آتى » أي : آتى المال حال محبّته له ، واختياره إيّاه ، والحبّ : مصدر « حببت » ، لغة في « أحببت » ؛ كما تقدّم ، ويجوز أن يكون مصدر الرّباعيّ على حذف الزوائد ، ويجوز أن يكون اسم مصدر ، وهو الإحباب ؛ كقوله : وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً [ نوح : 17 ] . والضمير المضاف إليه هذا المصدر فيه أربعة أقوال : أظهرها : أنه يعود على المال ؛ لأنّه أبلغ من غيره قال ابن عبّاس ، وابن مسعود : « هو أن تؤتيه ، وأنت صحيح شحيح ، تأمل « 1 » الغنى ، وتخشى الفقر ، ولا تهمل حتّى إذا بلغت الحلقوم ، قلت : لفلان كذا ، ولفلان كذا » ، وهذا بعيد من حيث اللفظ ومن حيث المعنى . أمّا من حيث اللفظ : رواية أبي هريرة ، قال : جاء رجل إلى النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم فقال : يا رسول اللّه ، أيّ الصّدقة أعظم أجرا ؟ قال : « أن تصّدّق وأنت صحيح شحيح » « 2 » وذكره .
--> ( 1 ) أخرجه الحاكم ( 2 / 272 ) والطبري في « تفسيره » ( 3 / 240 - 241 ) عن ابن مسعود موقوفا . وقال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي وأورده السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 312 ) وزاد نسبته لابن المبارك في الزهد ووكيع وسفيان بن عيينة وعبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والطبراني وابن مردويه . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 4 / 50 ) كتاب الوصايا باب الصدقة عند الموت ( 2648 ) ، ( 2 / 224 ) كتاب الزكاة باب أي الصدقة أفضل ( 1419 ) ومسلم كتاب الزكاة ( 92 ، 93 ) والنسائي ( 5 / 68 ، 6 / 237 ) وأبو -