عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
184
اللباب في علوم الكتاب
ويكون ذلك على حذف مضاف ، أي : « يشترون بكتم ما أنزل » . قال ابن عبّاس - رضي اللّه عنه - وقتادة والسّدّيّ ، والأصمّ وأبو مسلم - رضي اللّه عنهم - كانوا يكتمون صفة محمّد - عليه الصّلاة والسّلام - ونعته « 1 » . وقال الحسن : كتموا الأحكام ، وهو قوله تبارك وتعالى : إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [ التوبة : 34 ] . فصل في حقيقة الكتمان اختلفوا في كيفيّة الكتمان . فروي عن ابن عبّاس أنّهم كانوا يحرّفون ظاهر التّوراة ، والإنجيل « 2 » . قال المتكلّمون : وهذا ممتنع ؛ لأنّ التوراة والإنجيل كتابان ، وقد بلغا من الشهرة إلى حدّ التواتر ؛ بحيث يتعذّر ذلك فيهما ، وإنّما كانوا يكتمون التأويل ، لأنّه قد كان منهم من يعرف الآيات الدالّة على نبوة محمّد - صلى اللّه عليه وسلم - وكانوا يذكرون لها تأويلات باطلة ، ويحرّفونها عن محاملها الصحيحة ، والدّالّة على نبوّة محمّد - صلى اللّه عليه وسلم - فهذا هو المراد من الكتمان ، فيصير المعنى : الذين يكتمون معاني ما أنزل اللّه من الكتاب . « وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا » كقوله تعالى : وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا [ البقرة : 41 ] لأنّه في نفسه قليل ولأنّه بالإضافة إلى ما فيه من القدر قليل ، ولما ذكر عنهم هذه الحكاية ، ذكر الوعيد عليهم ؛ فقال : « أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ » . قال بعضهم : ذكر البطن هنا زيادة بيان ؛ كقوله : يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ [ الأنعام : 38 ] وقال بعضهم : بل فيه فائدة ؛ وقوله « فِي بُطُونِهِمْ » ، يقال : أكل فلان في بطنه وأكل في بعض بطنه . فصل في أكلهم النّار في الدنيا أم في الآخرة قال الحسن ، والرّبيع ، وجماعة من أهل العلم إنّ أكلهم في الدنيا وإن كان طيّبا في الحال ، فعاقبته النّار ؛ لأنّه أكل ما يوجب النار ؛ فكأنه أكل النّار ؛ كما روي في حديث الشّارب من آنية الذّهب والفضّة : « إنّما يجرجر في بطنه نار جهنّم » . وقوله تبارك وتعالى : إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً [ يوسف : 36 ] أي : عنبا ؛ فهذا كلّه من تسمية الشيء بما يؤول إليه . وقال الأصمّ إنّهم في الآخرة يأكلون النّار ؛ لأكلهم في الدنيا الحرام « 3 » . قوله : « إلّا النّار » استثناء مفرّغ ؛ لأنّ قبله عاملا يطلبه ، وهذا من مجاز الكلام ،
--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 23 . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 23 . ( 3 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 24 .