عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

182

اللباب في علوم الكتاب

وكذلك العدوان بالسفر فرد آخر من أفرادها فإذن نفي العدوان يقتضي نفي العدوان من جميع هذه الجهات ، فتخصيصه بالأكل غير جائز . وثالثها : قوله تبارك وتعالى : فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ المائدة : 3 ] ، فبيّن في هذه أن المضطرّ إنما يترخّص ، إذا لم يكن متجانفا لإثم ، وهذا يؤيّد ما قلناه من أن الآية الكريمة تقتضي ألّا يكون موصوفا بالبغي والعدوان في أمر من الأمور . احتجّ أبو حنيفة - رضي اللّه عنه - ، بوجوه : أحدها : قوله تعالى : وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ [ الأنعام : 119 ] . وهذا مضطرّ ؛ فوجب أن يترخّص « 1 » . وثانيها : قوله تبارك وتعالى : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً [ النساء : 29 ] ، وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [ البقرة : 195 ] ، والامتناع من الأكل سبب في قتل النّفس ، وإلقاء بها إلى التهلكة ؛ فوجب أن يحرّم . وثالثها : أنه - عليه الصلاة والسلام - رخّص للمقيم يوما وليلة ، وللمسافر ثلاث أيّام ولياليهنّ ، ولم يفرق بين العاصي وغيره . رابعها : أنّ العاصي بسفره ، إذا كان نائما ، فأشرف على غرق ، أو حرق ، يجب على الحاضر الّذي يكون في الصلاة أن يقطع صلاته لإنجائه ، فلأن يجب عليه في هذه الصورة : أن يسعى في إنقاذ مهجته أولى . وخامسها : أن العاصي بسفره له أن يدفع عن نفسه أسباب الهلاك ؛ من الحيوانات الصّائلة عليه ، والحيّة ، والعقرب ، بل يجب عليه ، فكذا ههنا . سادسها : أنّ العاصي بسفره ، إذا اضطرّ ، فلو أباح له رجل شيئا من ماله ، فله أخذه ، بل يجب دفع الضّرر عن النّفس . [ سابعها : أنّ التوبة أعظم في الوجوب وما ذاك إلا لدفع ضرر النّار عن النّفس ] « 2 » ، وهي أعظم من كلّ ما يدفع المؤمن من المضار عن نفسه ؛ فلذلك دفع ضرر الهلاك عن نفسه لهذا الأكل ، وإن كان عاصيا . وثامنها : أنّ الضرورة تبيح تناول طعام الغير من دون رضاه ، بل على سبيل القهر ، وهذا التناول يحرم لولا الاضطرار ، فكذا ههنا . وأجيب عن التمسّك بالعمومات ؛ بأنّ دليلنا النّافي للترخّص أخصّ دلائلهم

--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي . ( 2 ) سقط في ب .