عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

174

اللباب في علوم الكتاب

أمّا ذبائح أهل الكتاب ، فتحلّ لنا ، لقوله تبارك وتعالى : وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ [ المائدة : 5 ] . فصل في اختلافهم في اقتضاء تحريم الأعيان الإجمال اختلفوا في التّحريم المضاف إلى الأعيان ، [ هل يقتضي الإجمال ؟ فقال الكرخيّ : إنّه يقتضي الإجمال ، لأنّ الأعيان ] « 1 » لا يمكن وصفها بالحل والحرمة ، فلا بد من صرفها إلى فعل من الأفعال فيها ، وهو غير محرّم ، فلا بدّ من صرف هذا التحريم إلى فعل خاصّ ، وليس بعض الأفعال أولى من بعض ؛ فوجب صيرورة الآية الكريمة مجملة . وأمّا أكثر العلماء ، فقالوا : إنّها ليست بمجملة ، بل هذه اللفظة تفيد في العرف حرمة التصرّف ؛ قياسا على هذه الأجسام ؛ كما أنّ الذوات لا تملك ، وإنّما تملك التصرّفات فيها ، فإذا قيل : « فلان يملك جارية » ، فهم كلّ أحد أنه يملك « 2 » التصرّف فيها ؛ فكذا هاهنا . فإن قيل : لم لا يجوز تخصيص هذا التّحريم بالأكل ؛ لأنّه المتعارف من تحريم الميتة ، ولأنّه ورد عقيب قوله : « كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ » * ، ولقوله - عليه الصلاة والسلام - في خبر شاة ميمونة : « إنّما حرّم من الميتة أكلها » « 3 » . فالجواب عن الأوّل : لا نسلّم أن المتعارف من تحريم الميتة تحريم الأكل . وعن الثّاني : بأنّ هذه الآية الكريمة مسألة بنفسها ؛ فلا يجب قصرها على ما تقدّم ، بل يجب إجراؤها على ظاهرها . وعن الثّالث : أنّ ظاهر القرآن مقدّم على خبر الواحد ، هذا إذا لم نجوّز تخصيص القرآن بخبر الواحد ، فإن جوّزناه ، يمكن أن يجاب عنه ؛ بأن المسلمين ، إنّما يرجعون في معرفة وجوه الحرمة إلى هذه الآية ؛ فدلّ انعقاد إجماعهم على أنّها غير مختصّة ببيان حرمة الأكل ، وللسّائل أن يمنع هذا الإجماع ، واللّه تعالى أعلم . فإن قيل : كلمة « إنّما » تفيد الحصر ، فيقتصر على تحريم باقي الآية الكريمة ، وقد ذكر في سورة المائدة هذه المحرمات ، وزاد فيها : المنخنقة ، والموقوذة ، والمتردّية ، والنّطيحة ، وما أكل السّبع ، فما معنى هذا الحصر ؟ فالجواب : أنّ هذه الآية متروكة العمل بظاهرها ، وإن قلنا : إنّ كلمة « إنّما » لا تفيد الحصر ، فالإشكال زائل .

--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) في ب : كلما خدمته بملك . ( 3 ) أخرجه مالك في « الموطأ » ( 498 ) والبخاري ( 2 / 158 ) ، ( 3 / 107 ) ومسلم كتاب الحيض 100 ، 101 ، وأبو داود كتاب اللباس باب 4 والنسائي ( 7 / 172 ) وابن ماجة ( 3610 ) وأحمد ( 1 / 261 - 262 ، 330 ) و ( 6 / 329 ) والدارمي ( 2 / 86 ) والبيهقي ( 1 / 15 ، 23 ) والطبراني ( 11 / 167 ) وابن أبي شيبة ( 8 / 191 ) وابن عبد البر في « التمهيد » ( 4 / 154 ) والطحاوي في « المشكل » ، ( 1 / 197 ) وفي « شرح المعاني » ( 1 / 472 ) والدارقطني ( 1 / 41 ) والحميدي ( 315 ، 491 ) .