عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
17
اللباب في علوم الكتاب
والدين ، كما نقله الرسول - عليه السلام - وكذلك القولان في « على » الأخيرة ، بمعنى أن الشهادة لمعنى التزكية منه - عليه السلام - لهم . وإنما قدم متعلّق الشهادة آخرا ، وقدم أولا لوجهين : أحدهما : وهو ما ذكره الزمخشري أن الغرض في الأول إثبات شهادتهم على الأمم ، وفي الآخر اختصاصهم بكون الرسول شهيدا عليهم . والثاني : أن « شهيدا » أشبه بالفواصل والمقاطع من « عليكم » ، فكان قوله « شهيدا » تمام الجملة ، ومقطعها دون « عليكم » ، وهذا الوجه قاله الشيخ مختارا له رادّا على الزمخشري مذهبه من أن تقديم المفعول يشعر بالاختصاص ، وقد تقدم ذلك . فصل في الكلام على الشهادة اختلفوا في هذه الشهادة هل هي في الدنيا أو في الآخرة ؟ فالقائل بأنها في الآخرة وهم الأكثرون لهم وجهان : الأول : أن هذه الأمة تشهد للأنبياء على أممهم الذين يكذبونهم . روي أن الأمم يجحدون تبليغ الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - فيطالب اللّه - تعالى - الأنبياء بالبيّنة على أنهم قد بلّغوا وهو أعلم ، فيؤتى بأمة محمد - صلى اللّه عليه وسلم - فيشهدون فتقول الأمم : من أين عرفتم فيقولون : علمنا ذلك بإخبار اللّه تعالى في كتابه النّاطق على لسان نبيه الصّادق ، فيؤتى بمحمد - عليه الصلاة والسلام - فيسأل عن حال أمته ، فيزكيهم ويشهد بعدالتهم ، وذلك قوله : فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً [ النساء : 41 ] وقد طعن القاضي رحمه اللّه تعالى في هذه الرواية من وجوه : أحدها : أن مدار هذه الرواية على أن الأمم يكذبون أنبياءهم ، وهذا بناء على أن أهل القيامة يكذبون . وهذا باطل عند القاضي ، وسيأتي الكلام على هذه المسألة في سورة « الأنعام » عند قوله تعالى : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ [ الأنعام : 23 - 24 ] . وثانيها : أن شهادة الأمة ، وشهادة الرسول - عليه الصلاة والسلام - مستندة في الآخرة إلى شهادة اللّه - تعالى - على صدق الأنبياء ، وإذا كان كذلك ، فلم لم يشهد اللّه - تعالى - لهم بذلك ابتداء ؟ والجواب : الحكمة في ذلك تمييز أمة محمد - عليه الصلاة والسلام - في الفضل عن سائر الأمم بالمبادرة إلى تصديق اللّه - تعالى - وتصديق جميع الأنبياء ، والإيمان بهم جميعا ، فهم بالنسبة إلى سائر الأمم كالعدل بالنسبة إلى الفاسق . وثالثها : أن مثل هذه الأخبار لا تسمّى شهادة ، وهذا ضعيف لقوله عليه الصلاة