عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

155

اللباب في علوم الكتاب

قوله : « إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ ، وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ » فهذه كالتّفصيل لجملة عداوته ، وهو مشتمل على أمور ثلاثة : أولها : السّوء ، وهو : متناول جميع المعاصي ، سواء كانت تلك المعاصي من أفعال الجوارح ، أو من أفعال القلوب . وسمّي السّوء سوءا ؛ لأنّه يسوء صاحبه بسوء عواقبه ، وهو مصدر : « ساءه يسوءه سوءا ومساءة » إذا أحزنه ، و « سؤته ، فسيء » إذا أحزنته ، فحزن ؛ قال تعالى : سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا [ الملك : 27 ] ؛ قال الشّاعر : [ السريع ] 889 ب - وإن يك هذا الدّهر قد ساءني * فطالما قد سرّني الدّهر ألأمر عندي فيهما واحد * لذاك شكر ولذا صبر « 1 » وثانيها : الفحشاء ، وهو مصدر من الفحش ؛ كالبأساء من البأس ، والفحش : قبح المنظر . قال امرؤ القيس : [ الطويل ] 890 - وجيد كجيد الرّئم ليس بفاحش * إذا هي نصّته ولا بمعطّل « 2 » وتوسّع فيه ، حتّى صار يعبر به عن كلّ مستقبح معنى كان أو عينا . والفحشاء : نوع من السّوء ، كأنّها أقبح أنواعه ، وهي : ما يستعظم ، ويستفحش من المعاصي . وثالثها : « أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ » فكأنّه أقبح الأشياء ؛ لأنّ وصف اللّه تعالى بما لا ينبغي من أعظم أنواع الكبائر ، فهذه الجملة كالتفسير لقوله تعالى : « وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ » . فدلّت الآية الكريمة على أنّ الشيطان يدعو إلى الصّغائر والكبائر ، والكفر ، والجهل باللّه . وروي عن ابن عبّاس - رضي اللّه عنهما - أنّه قال : « الفحشاء » من المعاصي : ما فيه حدّ ، والسّوء من الذّنوب ما لا حدّ فيه . وقال السّدّيّ : هي الزّنا « 3 » .

--> ( 1 ) ينظر القرطبي : 2 / 141 . ( 2 ) البيت من معلقته المشهورة . ينظر ديوانه : ( 115 ) ، والزوزني ( 21 ) والشنقيطي : ( 63 ) ، البحر المحيط : ( 1 / 651 ) والدر المصون : 1 / 435 . ( 3 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 3 / 303 ) عن السدّي ، والأثر ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 306 ) .