عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
130
اللباب في علوم الكتاب
فصل في لحن من قال : الأرياح وقد لحن عمارة بن بلال ، فقال « الأرياح » في شعره ، فقال له أبو حاتم : « إنّ الأرياح لا تجوز » فقال له عمارة : ألا تسمع قولهم : رياح ؟ فقال أبو حاتم : هذا خلاف ذلك ، فقال : صدقت ، ورجع . قال أبو حيّان : وفي محفوطي قديما ؛ أنّ « الأرياح » جاء في شعر بعض فصحاء العرب المستشهد بكلامهم ، كأنّهم بنوه على المفرد ، وإن كانت علّة القلب مفقودة في الجمع ، كما قالوا : « عيد وأعياد » والأصل « أعواد » ؛ لأنّه من : « عاد يعود » ، لكنه لما ترك البدل ، جعل كالحرف الأصليّ . قال شهاب الدّين : ويؤيد ما قاله الشّيخ أن التزامهم « الياء » في « الأرياح » ؛ لأجل اللّبس [ بينه ، وبين « أرواح » جمع « روح » ، كما قالوا : التزمت الياء في « أعياد » ؛ فرقا ] « 1 » بينه وبين « أعواد » جمع عود الحطب ؛ كما قالوا في التصغير : « عبيد » دون « عويد » ؛ وعلّلوه باللّبس المذكور . وقال أبو عليّ : [ يجمع ] في القليل « أرواح » وفي الكثير « رياح » « 2 » . قال ابن الخطيب « 3 » وابن عطيّة : « وجاءت في القرآن مجموعة مع الرّحمة ، مفردة مع العذاب ، إلّا في قوله تعالى : وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ [ يونس : 22 ] وهذا أغلب وقوعها في الكلام ، وفي الحديث : « اللّهمّ ، اجعلها رياحا ، ولا تجعلها ريحا » ؛ لأنّ ريح العذاب شديدة ملتئمة الأجزاء ، كأنّها جسم واحد ، وريح الرّحمة ليّنة متقطّعة ، وإنما أفردت مع الفلك - يعني في يونس - لأنّها لإجراء السّفن ، وهي واحدة متّصلة ؛ ثمّ وصفت بالطّيّبة ، فزال الاشتراك بينها ، وبين ريح العذاب » . انتهى . وردّ بعضهم هذا ؛ باختلاف القرّاء في اثني عشر موضعا في القرآن ، وهذا لا يردّه لأنّ من جمع في الرّحمة ، فقد أتى بالأصل المشار إليه ، ومن أفرد في الرّحمة ، فقد أراد الجنس ، [ وأما الجمع في العذاب ، فلم يأت أصلا ] « 4 » ، وأما الإفراد فإن وصف ، كما في يونس من قوله : « بريح طيّبة » فإنّه مزيل للّبس ، وإن أطلق ، كان للعذاب ، كما في الحديث ، وقد تختصّ اللفظة في القرآن بشيء ، فيكون أمارة له ، فمن ذلك : أن عامّة ما في القرآن من قوله : يُدْرِيكَ [ الشورى : 17 ] مبهم غير مبيّن ، قال تعالى : وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ [ الشورى : 17 ] وما كان من لفط « أدراك » فإنّه مفسّر ؛ كقوله تعالى : وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ نارٌ حامِيَةٌ [ القارعة : 10 - 11 ] .
--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) ينظر تفسير الفخر الرازي : 4 / 181 . ( 3 ) ينظر تفسير الفخر الرازي : 4 / 182 . ( 4 ) سقط في ب .