عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
128
اللباب في علوم الكتاب
ويقول الأعشى : [ الطويل ] 873 - . . . * دبيب قطا البطحاء في كلّ منهل « 1 » وبقوله سبحانه : وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ [ النور : 45 ] ثمّ فصّل : بمن يمشي على رجلين ، وهو الإنسان والطّير . فصل في أنّ حدوث الدواب دليل على وجود الصانع اعلم أنّ حدوث الحيوانات قد يكون بالتّوليد ، وقد يكون بالتّوالد : وعلى التقديرين : فلا بدّ فيهما من [ الافتقار إلى ] « 2 » الصّانع الحكيم ؛ يروى أنّ رجلا قال عند عمر بن الخطّاب - رضي اللّه عنه - : إنّي لأتعجّب من أمر الشّطرنج ، فإنّ رقعته ذراع في ذراع ، وإنّه لو لعب الإنسان ألف ألف مرّة ، فإنّه لا يتّفق مرّتان على وجه واحد ، فقال عمر بن الخطّاب - رضي اللّه تعالى عنه وعن الصحابة أجمعين - : ههنا ما هو أعجب منه ، وهو أنّ مقدار الوجه شبر [ في شبر ] ، ثم إن موضع الأعضاء التي فيه ؛ كالحاجبين ، والعينين ، والأنف ، [ والفم ] ، لا يتغيّر ألبتّة ، ثم إنّك لا ترى شخصين في الشّرق والغرب يشتبهان في الصّورة « 3 » ، وكذا اللّون ، والألسنة ، والطّبائع ، والأمزجة ، والصّوت ، والكثافة ، واللّطافة ، والرّقّة ، والغلظ ، والطّول ، والقصر ، وبقيّة الأعضاء ، والبلادة ، والفطنة ، فما أعظم تلك المقدرة والحكمة التي أظهرت في هذه الرّقعة الصّغيرة هذه الاختلافات الّتي لا حدّ لها ! وروي عن عليّ بن أبي طالب - رضي اللّه تعالى عنه - [ أنه قال ] : « سبحان من أبصر بشحم ، وأسمع بعظم ، وأنطق بلحم » « 4 » . واعلم أنّ أهل الطبائع ؛ قالوا : أعلى العناصر يجب أن يكون هو النّار ؛ لأنّها حارّة يابسة ، ودونها في اللّطافة : الهواء ، وهو حارّ رطب ، ودونها : الماء ؛ لأنّه بارد رطب ، والأرض لا بدّ أن تكون تحت الكلّ ؛ لثقلها ، وكثافتها ، [ ويبسها ] ، ثمّ إنّهم قلبوا هذه القضيّة في [ تركيب ] بدن الإنسان ؛ لأنّ أعلى الأعضاء منه عظم القحف ، والعظم وهو بارد يابس ، فطبيعته على طبيعة الأرض ، وتحته الدّماغ ، وهو بارد رطب على طبع الماء ، وتحته النّفس ، وهو حارّ رطب على طبع الهواء ، وتحت الكل : القلب ، وهو حارّ يابس
--> ( 1 ) عجز بيت وصدره : نياف كغصن البان ترتج إن مشت ينظر ديوانه : ( 161 ) ، والبحر المحيط : ( 1 / 629 ) ، والدر المصون : 1 / 424 . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) الأثر ذكره الفخر الرازي في « التفسير الكبير » ( 4 / 179 - 180 ) عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه . ( 4 ) ذكره أيضا الفخر الرازي في « تفسيره » ( 4 / 180 ) عن علي بن أبي طالب - رضي اللّه عنه - .