عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
124
اللباب في علوم الكتاب
لا بد له من مدبّر يدبّره ، ومقتدر يحفظه ، وهذه الآية الكريمة تدلّ على إباحة ركوب البحر وعلى إباحة الاكتساب ، والتّجارة ؛ لقوله : « بِما يَنْفَعُ النَّاسَ » . فصل في بيان الحالة المستثناة في ركوب البحر البحر إذا أرتج ، لم يجز ركوبه لأحد بوجه من الوجوه في حين ارتجاجه ، ولا في الزّمن الذي الأغلب فيه عدم السّلامة ؛ وإنما يجوز عندهم ركوبه في زمن يكون الغالب فيه السلامة - [ نقله القرطبيّ « 1 » ] « 2 » . قوله تعالى : وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ [ البقرة : 164 ] [ « من » ] الأولى معناها ابتداء الغاية ، أي : أنزل من جهة السماء ، وأما الثانية فتحتمل ثلاثة أوجه : أحدها : أن تكون لبيان الجنس فإنّ المنزل من السّماء ماء وغيره . والثاني : أن تكون للتّبعيض ؛ فإنّ المنزل منه بعض لا كلّ . والثالث : أن تكون هي وما بعدها بدلا من قوله : « مِنَ السَّماءِ » بدل اشتمال بتكرير العامل ، وكلاهما أعني « من » الأولى ، و « من » الثانية متعلّقان ب « أنزل » . فإن قيل : كيف تعلّق حرفان متّحدان بعامل واحد ؟ فالجواب : أنّ الممنوع من ذلك أن يتّحدا معنى من غير عطف ، ولا بدل ، لا تقول : أخذت من الدّراهم من الدّنانير ، وأمّا الآية الكريمة : فإنّ المحذور فيها منتف ، وذلك أنّك إن جعلت « من » الثانية للبيان ، أو للتبعيض ، فظاهر ؛ لاختلاف معناهما ؛ فإنّ الأولى للابتداء ، وإن جعلناها لابتداء الغاية ، فهي وما بعدها بدل ، والبدل يجوز ذلك فيه ، كما تقدّم ، ويجوز أن تتعلّق « من » الأولى بمحذوف على أنّها حال ؛ إمّا من الموصول نفسه ، وهو « ما » ، أو من ضميره المنصوب ب « أنزل » ، أي : وما أنزل اللّه حال كونه كائنا من السّماء . فصل في أن إنزال الماء من السماء آية دالّة على وجود الصانع قيل : أراد بالسّماء السّحاب ؛ فإنّ كلّ ما علاك يسمّى سماء ، ومنه قيل : سقف البيت سماؤه ، وقيل : أراد السّماء المعروفة ، وأنّه ينزل من السّماء إلى السّحاب ، ومن السحاب إلى الأرض ، وفي دلالة إنزال الماء من السّماء على وجود الصّانع : أنّ جسم الماء ، وما قام به من صفات الرّقّة ، والرّطوبة ، واللّطافة والعذوبة ، وجعله سببا لحياة الإنسان ، ولأكثر [ منافعه ] « 3 » ، وسببا لرزقه ، وكونه من السحاب معلّقا في جوّ السّماء ، وينزل عند التضرّع ، واحتياج الخلق إليه - مقدار المنفعة ، وسوقه إلى بلد ميّت ، فيحيي به
--> ( 1 ) ينظر تفسير القرطبي : 2 / 132 . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) في ب : صنائعه .