عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
109
اللباب في علوم الكتاب
وقال الحسن : « جميع عباد اللّه » « 1 » . قال القاضي : « دلّت الآية على أنّ هذا الكتمان من الكبائر لأنّه تعالى أوجب فيه اللّعن « 2 » . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 160 ] إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 160 ) في الاستثناء وجهان : أحدهما : أن يكون متّصلا ، والمستثنى منه هو الضّمير في « يلعنهم » . والثاني : أن يكون منقطعا ؛ لأنّ الّذين كتموا ، لعنوا قبل أن يتوبوا . وإنّما جاء الاستثناء ؛ لبيان قبول التّوبة ؛ لأنّ قوما من الكاتمين لم يلعنوا ، نقل ذلك أبو البقاء « 3 » . قال بعضهم : « وليس بشيء » . فصل [ أنه تعالى بيّن عظيم الوعيد ] اعلم أنّه تعالى لمّا بيّن عظيم الوعيد ، فكان يجوز أن يتوهّم أنّ الوعيد يلحقهم على كلّ حال ، فبيّن تعالى أنّهم إذا تابوا ، تغيّر حكمهم ، ودخلوا في أهل الوعد . والتّوبة عبارة عن النّدم على فعل القبيح لقبحه ، لا لغرض سواه ؛ لأنّ من لم يردّ الوديعة ، ثم ندم للوم الناس وذمّهم ، أو لإنّ الحاكم ردّ شهادته لم يكن تائبا ، وكذلك ، لو عزم على ردّ الودائع والقيام بالواجبات ؛ لكي تقبل شهادته أو يمدح بالثّناء عليه ، لم يكن تائبا وهذا معنى الإخلاص في التوبة ثم بيّن تعالى أنه لا بدّ له بعد التوبة من إصلاح ما أفسده مثلا ، لو أفسد على رجل دينه بإيراد شبهة عليه ، يلزمه إزالة تلك الشّبهة ، ثمّ بيّن بأنه يجب عليه بعد ذلك أن يفعل ضدّ الكتمان ، وهو البيان بقوله « وبيّنوا » فدلّت الآية على أنّ التّوبة لا تحصل إلّا بترك كلّ ما ينبغي . وقيل : بيّنوا توبتهم وصلاحهم . قال ابن الخطيب « 4 » : قالت المعتزلة : الآية تدلّ على أنّ التّوبة عن بعض المعاصي مع الإصرار على البعض لا تصحّ ؛ لأن قوله « وأصلحوا » عامّ في الكلّ . والجواب : أنّ اللفظ المطلق يكفي في صدقه حصول فرد واحد من أفراده . وقوله : « أَتُوبُ عَلَيْهِمْ » أتجاوز عنهم ، وأقبل توبتهم . « وَأَنَا التَّوَّابُ » الرّجّاع بقلوب عبادي المنصرفة عنّي إليّ ، القابل لتوبة كلّ ذي توبة ، الرحيم بهم بعد إقبالهم عليّ .
--> ( 1 ) ينظر تفسير البغوي : 1 / 134 . ( 2 ) ينظر تفسير الفخر الرازي : 4 / 150 . ( 3 ) ينظر الإملاء : 1 / 71 . ( 4 ) ينظر تفسير الفخر الرازي : 4 / 150 .