عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

106

اللباب في علوم الكتاب

وقوله « والهدى » يدخل فيه الدّلالة العقليّة ، والنّقليّة ؛ لما تقدّم في دليل قوله هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [ البقرة : 3 ] أنّ الهدى عبارة عن الدلائل ، فيعمّ الكلّ . فإن قيل : فقد قال : « وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ » فعاد إلى الوجه الأوّل . قلنا : الأوّل : هو التنزيل ، والثاني : ما يقتضيه التنزيل من الفوائد . وهذه الآية الكريمة تدلّ على أن من أمكنه بيان أصول الدّين بالدلائل العقليّة لمن كان محتاجا إليها ، ثم تركها ، أو كتم شيئا من أحكام الشرع مع الحاجة إليه ، فقد لحقه هذا الوعيد . قوله تعالى : « مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ » متعلّق ب « يكتمون » ، ولا يتعلّق ب « أنزلنا » لفساد المعنى ؛ لأنّ الإنزال لم يكن بعد التّبيين ، وأمّا الكتمان فبعد التّبيين ، والضمير في [ « بيّنّاه » يعود على « ما » الموصولة . وقرأ الجمهور « بيّنّاه » ، وقرأ طلحة « 1 » بن مصرّف « بيّنه » على ضمير الغائب ، وهو التفات من التكلّم إلى الغيبة ، و « للنّاس » متعلّق بالفعل قبله . وقوله : « فِي الْكِتابِ » يحتمل وجهين : أحدهما : أنه متعلّق بقوله : « بيّنّاه » . والثاني : أنه يتعلّق بمحذوف ؛ لأنّه حال من الضّمير المنصوب في ] « 2 » « بيّنّاه » أي : بيّنّاه حال كونه مستقرّا كائنا في الكتاب ، والمراد بالكتاب جميع الكتب المنزلة . فصل في حكم هذا « البيان » قال بعضهم : هذا الإظهار فرض على الكفاية ، لأنّه إذا أظهره البعض ، صار بحيث يتمكنّ كلّ أحد من الوصول إليه ، فلم يبق مكتوما ، وإذا خرج عن حد الكتمان ، لم يجب على الباقين إظهاره مرةّ أخرى ، واللّه أعلم « 3 » . فصل في الاحتجاج بقبول خبر الواحد من الناس من يحتجّ بهذه الآيات على قبول خبر الواحد ، لأنّ إظهار هذه الأحكام واجب ، [ ولو لم يجب العمل ] « 4 » ، لم يكن إظهارها واجبا ، وتمام التقرير فيه قوله تعالى في آخر الآية : إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا [ البقرة : 160 ] فحكم بوقوع البيان بخبرهم .

--> ( 1 ) ينظر الدر المصون : 1 / 417 ، البحر المحيط : 1 / 633 ، المحرر الوجيز : 1 / 231 . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) ينظر تفسير الفخر الرازي : 4 / 148 . ( 4 ) في ب : وإن لم يكن عملها .