عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

104

اللباب في علوم الكتاب

فصل في تفسير « الكتمان » قال القاضي « 1 » : الكتمان ترك إظهار الشّيء مع الحاجة إليه وحصول الداعي إلى إظهار ؛ لأنّه متى لم يكن كذلك ، لا يعدّ من الكتمان ، فدلّت الآية على أنّ ما يتّصل بالدّين ، ويحتاج المكلّف إليه ، لا يجوز كتمانه . ونظير هذه الآية قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا [ البقرة : 174 ] وقوله سبحانه وتعالى : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ [ آل عمران : 187 ] فهذه كلّها زواجر عن الكتمان . ونظيرها في بيان العلم ، وإن لم يكن فيه ذكر الوعيد لكاتمه ، قوله سبحانه : فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [ التوبة : 122 ] . وروى أبو هريرة عن النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم قال : « من كتم علما يعلمه جيء يوم القيامة بلجام من نار » « 2 » .

--> ( 1 ) ينظر تفسير الفخر الرازي : 4 / 148 . ( 2 ) أخرجه الترمذي ( 5 / 29 ) كتاب العلم باب ما جاء في كتمان العلم ( 2649 ) وابن ماجة ( 1 / 96 ) رقم ( 261 ) وأبو داود ( 3 / 321 ) كتاب العلم باب كراهية منع العلم ( 3658 ) وابن حبان ( 95 - موارد ) وأحمد ( 2 / 495 ) والبغوي في « شرح السنة » ( 1 / 301 ) والطبراني في « الصغير » ( 1 / 164 ) والحاكم ( 1 / 101 ) وأبو يعلى ( 11 / 268 - 269 ) من طرق عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة مرفوعا . وقال الترمذي : حديث أبي هريرة حديث حسن . وقال الحاكم : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه . وله شاهد من حديث عبد اللّه بن عمرو : أخرجه الحاكم ( 1 / 102 ) وابن حبان ( 96 - موارد ) والخطيب ( 5 / 39 ) وقال الحاكم : هذا حديث صحيح من حديث المصريين على شرط الشيخين ليس له علة ووافقه الذهبي . وذكره الهيثمي في المجمع ( 1 / 163 ) وقال : رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجاله موثقون . وله شاهد من حديث جابر أخرجه الخطيب في « تاريخ بغداد » ( 7 / 198 ) و ( 9 / 92 ) ، ( 12 / 369 ) . ويشهد له حديث ابن عباس أخرجه أبو يعلى ( 4 / 458 ) رقم ( 2585 ) والطبراني في الكبير كما في « مجمع الزوائد » ( 1 / 163 ) وقال : ورجال أبي يعلى رجال الصحيح . وذكره الحافظ ابن حجر في « المطالب العالية » ( 3027 ) وعزاه إلى أبي يعلى وقال صحيح . قال البغوي في شرح السنة : 1 / 238 . قيل : معنى الحديث : كما أنه ألجم لسانه عن قول الحقّ ، وإظهار العلم ، يعاقب في الآخرة بلجام من نار . وقال أبو سليمان الخطّابيّ : هذا في العلم الذي يلزمه تعليمه إيّاه ، ويتعين فرضه عليه ؛ كمن رأى كافرا يريد الإسلام ، يقول : علّموني ؛ ما الإسلام ؟ وكمن يرى رجلا حديث عهد بالإسلام ، لا يحسن الصلاة ، وقد حضر وقتها ، يقول : علّموني كيف أصلّي ، وكمن جاء مستفتيا في حلال أو حرام ، يقول : أفتوني وأرشدوني ، فإنه يلزم في هذه الأمور ألّا يمنعوا الجواب ، فمن فعل ، كان آثما مستحقّا للوعيد ، وليس كذلك الأمر في نوافل العلم التي لا ضرورة بالناس إلى معرفتها ، واللّه أعلم . -