عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
75
اللباب في علوم الكتاب
معناه : أن العافي هنا ما يبقى في القدر من المرق ونحوه ، فإذا أراد أحد أن يستعير القدر يعلّل صاحبها بالعافي الذي فيها ، فالعافي فاعل ، ومن يستعيرها مفعول ، وهو من الإسناد المجازي ؛ لأن الرّاد في الحقيقة صاحب القدر بسبب العافي . فصل في تفسير المعتزلة للعفو في الآية قالت المعتزلة : « المراد ثم عفونا عنكم بسبب إتيانكم بالتّوبة ، وهي قتل بعضكم بعضا » . قالت ابن الخطيب « 1 » : وهذا ضعيف من وجهين : الأول : أن قبول التوبة واجب عقلا ، ولو كان المراد ذلك لما جاز عدّه في معرض الإنعام ، لأن أداء الواجب لا يعدّ من باب الإنعام ، والمقصود من هذه الآيات تعديد نعم اللّه - تعالى - عليهم . الثاني : أن العفو اسم لإسقاط العقاب المستحقّ ؛ وأمّا إسقاط ما يجب إسقاطه ، وذلك لا يسمّى عفوا ، ألا ترى أن الظالم لما لم يجز له تعذيب المظلوم ، فإذا ترك عذابه لم يكن الترك عفوا ، فكذلك هاهنا . إذا ثبت هذا فنقول : لا شكّ في حصول التوبة في هذه الصورة لقوله تعالى : « فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ » وإذا كان كذلك دلّت الآية على أن قبول التوبة غير واجب عقلا ، وإذا ثبت ذلك ثبت أيضا أنه - تعالى - أسقط عقوبة من يجوز عقابه عقلا ، وشرعا ، وذلك أيضا خلاف قول المعتزلة ، وإذا ثبت أنه عفا عن كفّار قوم موسى ، فلأن يعفو عن فسّاق أمة محمد - صلّى اللّه عليه وسلم - مع أنهم خير أمة أخرجت للنّاس كان أولى . قوله : « لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ » . « تَشْكُرُونَ » في محل رفع خبر « لعلّ » ، وقد تقدّم تفسير الشكر عند ذكر الحمد . وقال الراغب « 2 » : هو تصور النعمة وإظهارها . وقيل : هو مقلوب عن الكشر أي : الكشف ، وهو ضدّ الكفر ، فإنه تغطية النعمة وقيل : أصله من « عين شكري » أي : ممتلئة ، فهو على هذا الامتلاء من ذكر المنعم عليه . و « شكر » من الأفعال المتعدّية بنفسها تارة ، وبحرف الجرّ أخرى ، وليس أحدهما أصلا للآخر على الصحيح ، فمن المتعدّي بنفسه قول عمرو بن لحيّ « 3 » : [ الطويل ]
--> ( 1 ) ينظر الفخر الرازي : 3 / 72 . ( 2 ) ينظر المفردات : 272 . ( 3 ) عمرو بن يحيى بن حارثة بن عمرو بن عامر الأزدي من قحطان . أول من غير دين إسماعيل ودعا العرب إلى عبادة الأوثان كنيته أبو ثمامة وفي نسبه خلاف شديد ، وفي العلماء من يجزم بأنه مصري من عدنان لحديث انفرد به أبو هريرة . وهو جد « خزاعة » عند كثير من النسابين ورئيسها عند بعضهم ، ومعظمهم يسميه عمرو بن عامر بن يحيى ، ويقولون إنه نسب إلى جده وفيهم من يسميه عمرو بن ربيعة ويجعل لحيا لقبا لربيعة . -