عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

70

اللباب في علوم الكتاب

الشهور ، والأيام تبع لها ، وأيضا فليس المراد انقضاء أي أربعين كان ، بل أربعين معينا وقيل : لأن الظلمة سابقة على النّور ، فهي الأصل يؤيده قوله تعالى : وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ [ يس : 37 ] . فصل في معنى أربعين ليلة قوله : أَرْبَعِينَ لَيْلَةً معناه : واعدنا موسى انقضاء أربعين ليلة كقولهم : « اليوم أربعون يوما منذ خرج فلان » أي : تمام الأربعين ، والحاصل أنه حذف المضاف ، وأقام المضاف إليه مقامه كقوله : وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [ يوسف : 82 ] وأيضا فليس المراد انقضاء أي أربعين كان ، بل أربعين معينا ، وهو الثلاثون من ذي القعدة ، والعشر الأول من ذي الحجّة ؛ لأن موسى عليه السّلام كان عالما بأن المراد هو هذه الأربعون ، وكان ذلك بعد أن جاوز البحر . قال ابن الخطيب : ويحتمل أن يكون المراد أنه وعد قبل هذه الأربعين أن يجيء إلى الجبل بعد انقضاء هذه الأربعين . قال : وهذا الاحتمال هو المؤيّد بالأخبار . فإن قيل : قوله - هاهنا - : « أَرْبَعِينَ لَيْلَةً يفيد أن المواعدة كانت من أول الأمر على الأربعين . وقوله في الأعراف : وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً [ الأعراف : 142 ] يفيد أن المواعدة كانت في أول الأمر على الثلاثين ، فكيف التوفيق بينهما ؟ أجاب الحسن البصري فقال : ليس المراد أن وعده كان ثلاثين ليلة ، ثم بعد ذلك وعده بعشر ، لكنه وعده أربعين ليلة جميعا ، وهو كقوله : ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ [ البقرة : 196 ] . قوله : ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ « اتّخذ » يتعدّى لاثنين ، والمفعول الثاني محذوف أي : اتخذتم العجل إلها ، وقد يتعدّى لمفعول واحد إذا كان معناه « عمل » و « جعل » نحو : وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً [ البقرة : 116 ] . وقال بعضهم : « تخذ » و « اتّخذ » يتعدّيان لاثنين ما لم يفهما كسبا ، فيتعديان لواحد ، واختلف في « اتّخذ » فقيل : هو « افتعل » من الأخذ ، والأصل : « ائتخذ » الأولى همزة وصل ، والثانية فاء الكلمة ، فاجتمع همزتان ثانيتهما ساكنة بعد أخرى ، فوجب قلبها ياء ك « إيمان » فوقعت الياء فاء قبل تاء الافتعال ، فأبدلت تاء ، وأدغمت في تاء الافتعال ك « اتّسر » من « اليسر » ، إلا أن هذا قليل في باب الهمز ؛ نحو : « اتّكل » من « الأكل » ، و « اتّزر » من « الإزار » ؛ وقال أبو عليّ : هو « افتعل » من تخذ يتخذ ؛ وأنشد : [ الطويل ] 487 - وقد تخذت رجلي إلى جنب غرزها * نسيفا كأفحوص القطاة المطرّق « 1 »

--> ( 1 ) البيت للممزق العبدي ينظر لسان العرب ( مخص ) ، ( نسف ) ، ( طرق ) ، والمقاصد النحوية : 4 / 590 ، -