عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
61
اللباب في علوم الكتاب
قوله : « وَيَسْتَحْيُونَ » عطف على ما قبله ، وأصله : « يستحييون » ، فأعلّ بحذف الياء بعد حذف حركتها ، وقد تقدم بيانه فوزنه : « يستفعون » . والمراد بالنّساء : الأطفال ، وإنما عبر عنهم بالنساء ، لمآلهن إلى ذلك . وقيل : المراد غير الأطفال كما قيل في الأبناء . ولام « النساء » الظاهر أنها من واو لظهورها في مرادفه وهو : نسوان ونسوة . وهل « نساء » جمع « نسوة » أو جمع « امرأة » من حيث المعنى ؟ قولان ، ويحتمل أن تكون ياء اشتقاقا من النّسيان . قوله : وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ الجار والمجرور خبر مقدم ، و « بلاء » مبتدأ . ولامه واو لظهورها في الفعل نحو : بلوته - وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ [ البقرة : 155 ] ، فأبدلت همزة . والبلاء يكون في الخير والشر ، قال تعالى : وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [ الأنبياء : 35 ] ؛ لأن الابتلاء امتحان ، فيمتحن اللّه عباده بالخير ليشكروا ، وبالشر ليصبروا . وقال ابن كيسان : « أبلاه « 1 » وبلاه في الخير والشر » ؛ وأنشد : [ الطويل ] 479 - جزى اللّه بالخيرات ما فعلا بكم * وأبلاهما خير البلاء الّذي يبلو « 2 » فجمع بين اللغتين . وقيل : الأكثر في الخير أبليته ، وفي الشر بلوته ، وفي الاختبار ابتليته وبلوته . قال النحاس : فاسم الإشارة من قوله : « وَفِي ذلِكُمْ » يجوز أن يكون إشارة إلى الإنجاء وهو خير محبوب ، ويجوز أن يكون إشارة إلى الذّبح ، وهو شر مكروه . وقال الزمخشري : والبلاء : المحنة إن أشير ب « ذلكم » إلى صنيع فرعون ، والنعمة إن أشير به إلى الإنجاء ، وهو حسن . وقال ابن عطية : « ذلكم » إشارة إلى جملة الأمر ، إذ هو خير فهو كفرد حاضر ، كأنه يريد أن يشير به إلى مجموع الأمرين من الإنجاء ، والذبح ، ولهذا قال بعده : « ويكون البلاء في الخير والشر » ، وهذا غير بعيد ؛ ومثله : [ الرمل ] 480 - إنّ للخير وللشّرّ مدى * . . . « 3 »
--> ( 1 ) في أ : ابتلاه . ( 2 ) البيت لزهير . ينظر ديوانه : ( 109 ) ، معاني القرآن للزجاج : 1 / 102 ، الطبري : 2 / 49 ، الكشاف : 4 / 487 ، والدر المصون : 1 / 220 . ( 3 ) صدر بيت لعبد اللّه بن الزبعرى من قصيدة قالها يوم أحد وعجزه : وكلا ذلك وجه وقبل ينظر أوضح المسالك : 1 / 393 ، الأشموني : 2 / 260 ، شرح ابن عقيل : 2 / 62 ، الدرر : 2 / 60 ، الهمع : 2 / 5 ، التصريح : 2 / 43 ، المغني : 1 / 203 ، شرح المفصل : 3 / 2 ، الدر المصون : 1 / 220 .