عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

6

اللباب في علوم الكتاب

و « الذكر » - بضم الذال وكسرها - بمعنى واحد ، ويكونان باللّسان والجنان . وقال « الكسائي » : هو - بالكسر - للسان ، وبالضّم للقلب فضدّ المكسور : الصّمت ، وضد المضموم : النّسيان ، وبالجملة فالذكر الذي محلّه القلب ضدّه النسيان ، والذي محلّه اللسان ضده الصّمت ، سواء قيل : إنهما بمعنى واحد أم لا . و « الذّكر » - بالفتح - خلاف الأنثى ، و « الذّكر » - أيضا - الشرف ومنه قوله تعالى : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ [ الزخرف : 44 ] . فصل في النعمة النعمة اسم لما ينعم به ، وهي شبيهة ب « فعل » بمعنى « مفعول » نحو : ذبح ورعي ، والمراد الجمع ؛ لأنها اسم جنس ، قال اللّه تعالى : وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها [ النحل : 18 ] . قال « أبو العباس المقرئ » : « النّعمة » - بالكسر - هي الإسلام ، قال تعالى : وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ [ آل عمران : 103 ] . وقال : فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً [ الحجرات : 8 ] يعني : الإسلام . وقال : رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ [ النمل : 19 ] . وقوله : يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ [ آل عمران : 171 ] أي : الإسلام . فصل في حد النعمة قال ابن الخطيب « 1 » : حدّ النعمة أنها المنفعة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير . وقيل : الحسنة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير ، قالوا : وإنما زدنا هذا ؛ لأن النعمة إن كانت حسنة يستحق بها الشكر ، وإن كانت قبيحة لم يستحق بها الشكر . قال : والحقّ أن هذا القيد غير معتبر ؛ لأنه يجوز أن يستحق الشكر بالإحسان ، وإن كان فعله محظورا ؛ لأن جهة استحقاق الشكر غير جهة استحقاق الذّم والعقاب ، فأي امتناع في اجتماعهما ؟ ألا ترى أن الفاسق يستحقّ الشكر بإنعامه والذّم بمعصيته ، فلم لا يجوز هاهنا أن يكون الأمر كذلك ؟ واعلم أن نعم اللّه على العبد لا تتناهى ، ولا تحصى كما قال تعالى : وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها [ إبراهيم : 30 ] . فإن قيل : فإذا كانت النعم غير متناهية ، وما لا يتناهى لا يحصل به العلم في حق العبد ، فكيف أمر بتذكرها في قوله : اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ ؟

--> ( 1 ) ينظر الفخر الرازي : 3 / 28 .