عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

527

اللباب في علوم الكتاب

ونظيره قوله تعالى : إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [ البقرة : 14 - 15 ] ، يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ [ النساء : 142 ] ، وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ [ آل عمران : 54 ] ، وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ مِثْلُها [ الشورى : 40 ] ، إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ [ هود : 38 ] . وثانيها : اليهود تصبغ أولادها يهودا ، والنصارى تصبغ أولادها نصارى بمعنى يلقونهم ، فيصبغونهم بذلك لما يشربون في قلوبهم . عن قتادة قال ابن الأنباري رحمه اللّه يقال : فلان يصبغ فلانا في الشيء ، أي : يدخله فيه ، ويلزمه إياه كما يجعل الصبغ لازما للثوب . وأنشد ثعلب : [ الطويل ] 817 - دع الشّرّ وانزل بالنّجاة تحرّزا * إذا أنت لم يصبغك بالشّرع صابغ « 1 » وثالثها : سمي الدين صبغة ؛ لأن هيئته تظهر بالمشاهدة من أثر الطّهارة والصلاة قال اللّه تعالى : سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ [ الفتح : 29 ] . [ وقال مجاهد والحسن وأبو العالية وقتادة رضي اللّه تعالى عنهم : أصل ذلك أن النصارى كانوا يصبغون أولادهم فيما يسمونه المعمودية ، وصبغوه بذلك ليطهروه به ، وكأنه الختان ؛ لأن الختان تطهير ، فلما فعلوا ذلك قالوا : الآن قد صار نصرانيا حقّا ، فرد اللّه تعالى عليهم بقوله : « صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً » « 2 » وهي الإسلام فسمى الإسلام صبغة استعارة ومجازا من حيث تظهر أعماله وسمته على المتدين كما يظهر أثر الصبغ في الثوب . قال بعض شعراء ملوك « همدان » : [ المتقارب ] 818 - وكلّ أناس لهم صبغة * وصبغة همدان خير الصّبغ صبغنا على ذاك أبناءنا * فأكرم بصبغتنا في الصّبغ « 3 » ] « 4 » ورابعها : قال القاضي : قوله : « صِبْغَةَ اللَّهِ » متعلّق بقوله : قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ [ البقرة : 136 ] إلى قوله : « وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ » فوصف هذا الإيمان منهم بأنه صبغة اللّه تعالى ؛ ليبيّن أن المباينة بين هذا الدين الذي اختاره اللّه ، وبين الدّين الذي اختاره المبطل ظاهرة جلية ، كما تظهر المباينة بين الألوان والأصباغ لذي الحسّ السليم . القول الثاني : أن صبغة اللّه فطرته ، وهو كقوله : فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ [ الروم : 136 ] .

--> ( 1 ) ينظر الرازي : 4 / 79 . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 3 / 117 - 118 ، 119 ) عن مجاهد والحسن وقتادة وذكره السيوطي بمعناه في « الدر المنثور » ( 1 / 259 ) عن قتادة ، وزاد نسبته لابن أبي حاتم وابن المنذر . ( 3 ) ينظر البحر المحيط : 1 / 583 ، القرطبي : 2 / 98 . ( 4 ) سقط في ب .