عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

510

اللباب في علوم الكتاب

واحتج أبو حنيفة - رضي اللّه عنه - بأدلة منها هذه الآية الكريمة ، وأنه أطلق لفظ الأب على الجد . فإن قيل : قد أطلقه على العمّ ، وهو إسماعيل مع أنه ليس بأب اتفاقا . فالجواب : الأصل في الاستعمال الحقيقة وترك العمل به في العم لدليل قام به ، فيبقى في الثاني حجة . والثاني منها قوله - تبارك وتعالى - مخبرا عن يوسف : وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ [ يوسف : 38 ] . ومنها : ما روى عطاء عن ابن عباس أنّه قال : من شاء لاعنته عند الحجر الأسود أنّ الجدّ أب . وقال أيضا : ألا لا يتقي اللّه زيد بن ثابت يجعل ابن الابن ابنا ، ولا يجعل أب الأب أبا . واحتجّ الإمام الشافعي - رضي اللّه عنه وأرضاه - بأدلّة : منها : وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ [ البقرة : 132 ] فلم يدخل يعقوب في بنيه ، بل ميّزه عنهم ، فلو كان الصاعد في الأبوّة أبا لكان النازل في البنوّة ابنا في الحقيقة ، فلما لم يكن كذلك ثبت أن الجدّ ليس بأب [ ومنها أن الأب لا يصح نفي اسم الأبوة عنه بخلاف الجد ، فعلمنا أنه حقيقة في الأب مجاز في الجد ] « 1 » . ولو كان الجد أبا على الحقيقة لما صح لمن مات أبوه وجدّه حيّ أن ينفي أنّ له أبا ، كما لا يصح في الأب القريب ، ولما صح ذلك علمنا أنه ليس بأب في الحقيقة . فإن قيل : اسم الأبوة وإن حصل في الكل إلا أنّ رتبة الأدنى أقرب من رتبة الأبعد ، فلذلك صح فيه النفي . فالجواب : لو كان الاسم حقيقة فيهما جميعا لم يكن الترتيب في الوجود سببا لنفي اسم الأب عنه . ومنها : لو كان الجد أبا على الحقيقة لصحّ القول بأنّه مات ، وخلف أمّا وآباء كثيرين ، وذلك مما لم يطلقه أحد من الفقهاء ، وأرباب اللغة ، والتفسير . ومنها : [ لو كان الجدّ أبا - ولا شكّ ] « 2 » أنّ الصحابة عارفون باللغة - لما كانوا يختلفون في ميراث الجد ، ولو كان الجد أبا لكانت الجدة أمّا ، ولو كان كذلك لما وقعت الشّبهة في ميراث الجدة حتى يحتاج أبو بكر - رضي اللّه عنه - إلى السؤال عنه ، [ فهذه الدلائل دلت على أنّ الجدّ ليس بأب ] « 2 » .

--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) سقط في أ .