عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

507

اللباب في علوم الكتاب

قال الزمخشري : كما تقول : ما زيد ؟ تريد : أفقيه أم طبيب ، أم غير ذلك من الصفات ؟ الثالث : أن المعبودات في ذلك الوقت كانت غير عقلاء ، كالأوثان والأصنام والشمس والقمر ، فاستفهم ب « ما » التي لغير العاقل ، فعرف بنوه ما أراد ، فأجابوه عنه بالحق . الرابع : أنه اختبرهم وامتحنهم فسألهم ب « ما » دون « من » ، لئلا يطرق لهم الاهتداء ، فيكون كالتلقين لهم ، ومقصوده الاختبار . وأجاب ابن الخطيب بوجهين : الأول : أن « ما » عام في كل شيء ، والمعنى : أي شيء تعبدون . والثاني : قوله : « ما تَعْبُدُونَ » كقولك عند طلب الحد والرسم ما الإنسان ؟ وقوله : « مِنْ بَعْدِي » أي : بعد موتي . قوله : « قالُوا : نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ » . تمسّك المقلّدة بهذه الآية الكريمة قالوا : إن أبناء يعقوب اكتفوا بالتقليد ، ولم ينكره عليهم . والجواب : أن هذا ليس تقليدا ، وإنما هو إشارة إلى ذكر الدليل على وجود الصّانع كقوله : يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [ البقرة : 21 ] فهاهنا المراد من قوله : « نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ » أي : نعبد الإله الذي دلّ عليه وجودك ، ووجود آبائك . فصل في نزول هذه الآية قال القفّال : وفي بعض التفاسير أن يعقوب - عليه السلام - لما دخل « مصر » رأى أهلها يعبدون النيران والأوثان ، فخاف على بنيه بعد وفاته ، فقال لهم هذا القول تحريضا لهم على التمسّك بعبادة اللّه تعالى . وحكى القاضي عن ابن عباس : أن يعقوب - عليه السّلام - جمعهم إليه عند الوفاة ، وهم كانوا يعبدون الأوثان والنيران ، فقال : يا بني ما تعبدون من بعدي ؟ قالوا : نعبد إلهك وإله آبائك « 1 » . ثم قال القاضي : هذا بعيد لوجهين : الأول : أنهم بادروا إلى الاعتراف بالتوحيد مبادرة من تقدم منه العلم واليقين . الثاني : أنه - تعالى - ذكر في الكتاب حال الأسباط من أولاد يعقوب ، وأنهم كانوا قوما صالحين ، وذلك لا يليق بحالهم .

--> ( 1 ) ينظر تفسير الفخر الرازي : 4 / 69 .