عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
500
اللباب في علوم الكتاب
وفي قوله : « إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ » التفات ، إذ لو جاء على نسقه لقيل : إذ قلنا ؛ لأنه بعد « وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ » ، وعكسه في الخروج من الغيبة إلى الخطاب قوله : [ البسيط ] 795 - باتت تشكّى إليّ النّفس مجهشة * وقد حملتك سبعا بعد سبعينا « 1 » وقوله : « لِرَبِّ الْعالَمِينَ » فيه من الفخامة ما ليس في قوله « لك » أو « لربي » ، لأنه إذا اعترف بأنه ربّ جميع العالمين اعترف بأنه ربه وزيادة ، بخلاف الأول ، فلذلك عدل عن العبارتين . وفي قوله : « أَسْلِمْ » حذف مفعول تقديره : أسلم لربك . فصل في تحرير وقت قول اللّه تعالى لإبراهيم : أسلم الأكثرون على أن اللّه تعالى إنما قال ذلك قبل النبوة وقبل البلوغ ، وذلك عند استدلاله بالكوكب والقمر والشمس ، واطّلاعه على أمارات الحدوث فيها ، فلما عرف ربه قال له تعالى : « أَسْلِمْ قالَ : أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ » ؛ لأنه لا يجوز أن يقول له ذلك قبل أن يعرف ربه ، ويحتمل أيضا أن يكون قوله : « أَسْلِمْ » كان قبل الاستدلال ، فيكون المراد من هذا القول دلالة الدليل عليه [ لا نفس القول ] على حسب مذاهب العرب في هذا ، كقول الشاعر : [ الرجز ] 796 - إمتلأ الحوض وقال : قطني * مهلا رويدا قد ملأت بطني « 2 » ويدل على ذلك قوله تعالى : أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ [ الروم : 35 ] فجعل دلالة البرهان كلاما . وذهب بعضهم إلى أن هذا الأمر بعد النبوة ، واختلفوا في المراد منه . فقال الكلبي والأصمّ : أخلص دينك ، وعبادتك للّه تعالى . وقال عطاء : أسلم نفسك إلى اللّه ، وفوّض أمورك إليه . قال : أسلمت ، أي : فوضت . قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : وقد تحقّق ذلك حيث لم يأخذ من الملائكة من ألقي في النار .
--> ( 1 ) البيت للبيد . ينظر ديوانه : 352 ، البحر المحيط : 1 / 566 ، الطبري : 1 / 52 ، الأضداد ( 117 ) ، الدر المصون : 1 / 375 . ( 2 ) ينظر إصلاح المنطق : ص 57 ، 342 ، الإنصاف : ص 130 ، وأمالي المرتضى : 2 / 309 ؛ وتخليص الشواهد : ص 111 ؛ وجواهر الأدب : ص 151 ؛ والخصائص : 1 / 23 ؛ ورصف المباني : ص 362 ، وسمط اللآلي : ص 475 ، وشرح الأشموني : 1 / 57 ؛ وشرح المفصّل : 1 / 82 ، 2 / 131 ، 3 / 125 ؛ وكتاب اللامات : ص 140 ، ولسان العرب ( قطط ) ، ( قطن ) ؛ ومجالس ثعلب : ص 189 ؛ والمقاصد النحويّة : 1 / 361 ، الرازي : 4 / 71 ، القرطبي : 2 / 23 .