عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
482
اللباب في علوم الكتاب
وسادسها : البيان والدّلالة تقول : جعلت كلام فلان باطلا إذا أوردت [ من الحجة ] « 1 » ما يبين بطلان ذلك . إذا ثبت ذلك فنقول : لم لا يجوز أن يكن المراد وصفهما بالإسلام ، والحكم لهما بذلك كما يقال : جعلني فلان لصّا ، وجعلني فاضلا أديبا إذا وصفه بذلك سلّمنا أن المراد من الجعل الخلق ، لكن لم لا يجوز أن يكون المراد منه خلق الألطاف الداعية لهما إلى الإسلام ، وتوفيقهما لذلك ؟ فمن وفّقه اللّه لهذه الأمور حتى يفعلها ، فقد جعله اللّه مسلما له ، ومثاله من يؤدّب ابنه حتى يصير أديبا ، فيجوز أن يقال : صيّرتك أديبا ، وجعلتك أديبا ، وفي خلاف ذلك يقال : جعل ابنه لصّا محتالا . سلمنا أن ظاهر الآية الكريمة يقتضي كونه - تعالى - خالقا للإسلام ، لكنه على خلاف الدّلائل العقلية ، فوجب ترك القول به . وإنما قلنا [ إنه ] « 2 » على خلاف الدّلائل العقلية ؛ لأنه لو كان فعل العبد خلقا للّه - تعالى - لما استحق العبد به مدحا ولا ذمّا ، ولا ثوابا ولا عقابا ، ولوجب أن يكون اللّه - تعالى - هو المسلم المطيع لا العبد . والجواب : قوله : الآية متروكة الظاهر . [ قلنا ] « 3 » : لا نسلّم وبيانه من وجوه : الأول : أن الإسلام عرض قائم بالقلب ، وأنه لا يبقى زمانين فقوله : « وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ » أي : اخلق هذا العرض ، فينافي الزمان المستقبل دائما ، وطلب تحصيله في الزمان المستقبل لا ينافي حصوله في الحال . الثاني : أن يكون المراد منه الزّيادة في الإسلام كقوله : لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ [ الفتح : 4 ] وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً [ محمد : 17 ] ويؤيد هذا قوله تعالى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [ البقرة : 260 ] فكأنهما دعواه بزيادة اليقين والتصديق ، وطلب الزيادة لا ينافي حصول الأصل في الحال . الثالث : أن « الإسلام » إذا أطلق يفيد الإيمان والاعتقاد أما إذا أضيف بحرف « اللام » كقوله : « مُسْلِمَيْنِ لَكَ » ، فالمراد الاستسلام له والانقياد والرّضا بكل ما قدر [ وترك المنازعة في أحكام اللّه - تعالى - وأقضيته ، فلقد كانا عارفين مسلمين لكن لعله بقي في قلوبهما نوع من المنازعة الحاصلة بسبب البشرية ، فأراد أن يزيل اللّه ذلك عنهما بالكلية ليحصل لهما مقام الرضا بالقضاء على سبيل الكمال ] « 4 » فثبت بهذه الوجوه أن الآية ليست متروكة الظاهر . قوله : يحمل الجعل على الحكم بذلك فلا نسلم أن الموصوف إذا حصلت الصفة
--> ( 1 ) في أ : حجة . ( 2 ) في أ : إن الآية الكريمة . ( 3 ) في أ : فالجواب . ( 4 ) سقط في أ .