عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

473

اللباب في علوم الكتاب

قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام : رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ [ إبراهيم : 37 ] وهذا يقتضي أنها كان محرمة قبل ذلك ، ثم إن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - أكّده بهذا الدعاء . وقيل : إنها إنما صارت حرما آمنا بدعاء إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - وقبله كانت كسائر البلد ، والدليل عليه قوله عليه السلام : « اللّهمّ إنّي حرّمت المدينة كمّا حرّم إبراهيم مكّة » « 1 » . وقيل : كانت حراما قبل الدعوة بوجه غير الوجه الذي صارت به حراما بعد الدعوة . قوله : « مَنْ آمَنَ » بدل بعض من كلّ ، [ وهو « أهله » ] ولذلك عاد فيه ضميره على المبدل منه ، و « من » في « من الثّمرات » للتبعيض . وقيل : للبيان ، وليس بشيء ، إذ لم يتقدّم مبهم يبين بها . فصل في تخصيص المؤمنين بهذا الدّعاء إنما خصّ المؤمنين بهذا الدعاء لوجهين : الأول : أنه لما سأل اللّه - تعالى - أن يجعل الإمامة في ذرّيته ، قال اللّه تعالى : لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [ البقرة : 124 ] فصار ذلك [ تأديبا ] « 2 » في المسألة ، فلما ميّز اللّه - تعالى - المؤمنين عن الكافرين في باب الإمامة ، لا جرم خصّص المؤمنين بهذا الدّعاء دون الكافرين . الثاني : يحتمل أن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - قوي في ظنه أنه إن دعا للكلّ كثر في البلد الكفار ، فيكون في كثرتهم مفسدة ومضرّة في ذهاب الناس إلى الحجّ ، فخصّ المؤمنين بالدعاء لهذا السبب . قوله : « وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ » يجوز في « من » ثلاثة أوجه . أحدها : أن تكون موصولة ، وفي محلّها وجهان : أحدهما : أنها في محلّ نصب بفعل محذوف تقديره ، قال اللّه : وأرزق من كفر ، ويكون « فأمتعه » معطوفا على هذا الفعل المقدر . والثاني [ من الوجهين ] : أن يكون في محلّ رفع بالابتداء ، و « فأمتعه » الخبر ، دخلت الفاء في الخبر تشبيها له بالشرط .

--> ( 1 ) أخرجه البيهقي في السنن ( 5 / 201 ) بلفظه وابن أبي شيبة ( 14 / 200 ) . وذكره المنذري في الترغيب 2 / 225 . والهندي في كنز العمال حديث رقم ( 38151 ) . ( 2 ) في أ : كالتأديب له .