عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
458
اللباب في علوم الكتاب
على أن أوامر اللّه - تعالى - لازمة للظالمين ، كلزومها لغيرهم ثبت الوجه الآخر ، وهو أنهم غير مؤتمنين على أوامر اللّه - تعالى - وغير مقتدى بهم فيها ، فلا يكونون أئمة في الدّين ، فثبت بدلالة الآية بطلان إمامة الفاسق ، قال عليه السلام : « لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق » « 1 » ودل أيضا على أن الفاسق لا يكون حاكما ، وأن أحكامه لا تنفذ إذ ولّي الحكم ، وكذلك لا تقبل شهادته ، ولا خبره [ عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم ولا فتياه إذا أفتى ، ولا يقدّم للصّلاة ، وإن كان هو بحيث لو اقتدى به ، فإنه لا تفسد صلاته ] « 2 » . وقال أبو بكر الرّازي : « ومن النّاس من يظن أن مذهب أبي حنيفة أن يجوز كون الفاسق إماما وخليفة ، ولا يجوز كون الفاسق قاضيا » ، قال : وهذا خطأ ، ولم يفرق أبو حنيفة بين الإمام والحاكم في أن شرط كل واحد منهما العدالة ، وكيف يكون خليفة ، وروايته غير مقبولة ، وأحكامه غير نافذة . قال : وإنما غلط من غلط في هذه الرواية أن قول أبي حنيفة : أن القاضي إذا كان عدلا في نفسه ، وتولى القضاء من إمام جائر فإنّ أحكامه نافذة ، والصّلاة خلفه جائزة ؛ لأن القاضي إذا كان عدلا في نفسه ، ويمكنه تنفيذ الأحكام كانت أحكامه نافذة ، فلا اعتبار في ذلك بمن ولّاه ؛ لأن الذي ولّاه بمنزلة سائر أعوانه ، وليس شرط أعوان القاضي أن يكونوا عدولا ، ألا ترى أن أهل بلد لا سلطان عليهم لو اجتمعوا على الرّضا بتولية رجل عدل منهم القضاء حتى يكونوا أعوانا له على من امتنع من قبول أحكامه لكان قضاؤه نافذا ، وإن لم يكن له ولاية من جهة إمام ولا سلطان . واللّه أعلم . فصل في أخذ الأرزاق من الأئمة الظّلمة ونقل القرطبي رحمه اللّه تعالى عن ابن خويزمنداد أنه قال : وأما أخذ الأرزاق من الأئمّة الظلمة فله ثلاثة أحوال : إن كان جميع ما في أيديهم مأخوذا على موجب الشريعة ، فجائز أخذه ؛ وقد أخذت الصحابة والتابعون من يد الحجّاج وغيره . وإن كان مختلطا حلالا وظلما ، كما في أيدي الأمراء اليوم ، فالورع تركه ، ويجوز
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الصحيح ( 9 / 159 ) كتاب أخبار الآحاد باب إجازة خبر الواحد حديث رقم ( 7257 ) . ومسلم في الصحيح ( 3 / 1469 ) كتاب الإمارة ( 33 ) باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية ( 8 ) حديث رقم ( 39 / 1840 ) وأبو داود في السنن كتاب الجهاد باب 95 . والنسائي في السنن كتاب البيعة باب 32 - وأحمد في المسند ( 4 / 426 ، 427 ، 432 ، 436 ) ، ( 5 / 66 ، 70 ) - والبيهقي في السنن ( 8 / 156 ) - والحاكم في المستدرك ( 3 / 443 ) - وابن أبي شيبة ( 12 / 545 ) - والطبراني في الكبير ( 3 / 237 ) ، ( 18 / 150 ، 171 ، 184 ، 185 ، 229 ) - وذكره الهيثمي في الزوائد ( 5 / 129 ) . ( 2 ) سقط في أ .