عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
44
اللباب في علوم الكتاب
لقي اللّه وهو عليه غضبان » « 1 » وليس المراد رؤية اللّه ؛ لأن ذلك وصف لأهل النار ، فعلمنا أن اللقاء ليس عبارة عن الرؤية . وفي العرف قول المسلمين : من مات لقي اللّه ، ولا يعنون أنه رأى اللّه ، وأيضا فاللقاء يراد به القرب ، فإن الأمير إذا أذن للشّخص في الدخول عليه يقول : لقيته ، وإن كان ضريرا ، وإذا منعه من الدّخول يقول : ما لقيته ، وإن كان قد رآه ، ويقا : لقي فلان جهدا ، وكل هذا يدلّ على أنّ اللقاء ليس عبارة عن الرّؤية ، وقال تعالى : فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ [ القمر : 12 ] وهذا إنما يصحّ في حقّ الجسم ، ولا يصح في [ حق ] « 2 » اللّه تعالى . قال ابن الخطيب « 3 » : أجاب الأصحاب بأن اللقاء في اللّغة : عبارة عن وصول أحد
--> - ومن معتمد أهل السنة في الجواز أيضا - قوله - تعالى - : « فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً » وقوله تعالى : « اعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الصابرين » ، وقوله تعالى : « لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ » ، وقوله تعالى : « قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ » ، * وقال تعالى : « الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ » فترى أهل السنة أن اللقاء في هذه الآيات بمعنى الرؤية . وبيان ذلك : أن اللقاء مشترك بين الوصول المكاني والوصول بالرؤية ؛ فيقال في الضرير : لقي الأمير ؛ إذا أذن له ، ويقال للبصير : لقيه ، بمعنى : رآه ، وما لقيه ، أي : ما وصل إليه ، والوصول المكاني محال على اللّه - تعالى - ، فيكون الوصول بمعنى الرؤية وهو المطلوب . قالت المعتزلة : ما ذكرتموه يتنافى وقول اللّه تعالى : « فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ » وبديهي أن المنافق لا يرى ربه ، وقوله تعالى : « وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً » ، وقوله تعالى في معرض التهديد : « وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ » وهذا التهديد يتناول المؤمن والكافر ، والكافر لا يرى ربه . كذلك يتنافى وقوله - عليه الصلاة والسلام - : ( من حلف على يمين ليقتطع به مال امرئ مسلم ، لقي اللّه وهو عليه غضبان ) ولا يعقل أن المراد يرى ربه ؛ لأن ذلك وصف أهل النار . أجابت أهل السنة : بأن اللقاء لغة عبارة عن وصول أحد الجسمين إلى الآخر بحيث يمسّه بسطحه ، يقال : لقي هذا ذاك ، إذا ماسّه واتصل به ، ولما كانت الملاقاة بين الجسمين المدركين سببا لحصول الإدراك ، وحيث امتنع إجراء اللفظ على المماسّة ، وجب حمله على الإدراك المسبب عن اللقاء الذي هو سبب له ، وإطلاق السبب على المسبب من أقوى وجوه المجاز . وما ادّعيتموه من الآيات والحديث لم يحمل على الإدراك ، وإنما يحمل على إضمار لفظ الحساب ، أو الجزاء للضرورة ؛ بخلاف ما ذكرناه ، فلا ضرورة لصرفه عن ظاهره ، ولا لإضمار هذه الزيادة ، فلا جرم وجب تعليق اللقاء باللّه - سبحانه وتعالى - ، وإلى هنا تمّ الكلام على الدليل النقلي ، ودفع ما ورد عليه من قبل المعتزلة . ( 1 ) أخرجه البخاري في الصحيح ( 3 / 222 ) كتاب المساقاة باب الخصومة . . حديث ( 2356 ) ، ( 2357 ) وأخرجه مسلم في الصحيح ( 1 / 122 - 123 ) كتاب الإيمان ( 1 ) باب وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار ( 61 ) حديث رقم ( 220 / 138 ، 222 / 138 ) . . وابن ماجة في السنن ( 2 / 778 ) كتاب الأحكام باب من حلف على يمين فاجرة ليقتطع بها مالا - وأحمد في المسند ( 1 / 442 ) . والبيهقي في السنن ( 10 / 178 ، 2543 ) - والطبراني في الكبير ( 10 / 132 ) وذكره الهيثمي في الزوائد ( 4 / 183 ) - والهندي في كنز العمال حديث رقم 46354 . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) ينظر الفخر الرازي : 3 / 48 .