عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

415

اللباب في علوم الكتاب

وقال أبو البقاء : والثاني : أنه ماض والضمير للغائبين ، والتقدير : أينما يتولّوا ، يعني : أنه وإن كان ماضيا لفظا فهو مستقبل معنى ثم قال : وقد يجوز أن يكون ماضيا قد وقع ، ولا يكون « أين » شرطا في اللفظ ، بل في المعنى ، كما تقول : « ما صنعت صنعت » إذا أردت الماضي ، وهذا ضعيف ؛ لأن « أين » إما شرط ، أو استفهام ، وليس لها معنى ثالث . انتهى وهو غير واضح . قوله : « فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ » الفاء وما بعدها جواب الشّرط ، فالجملة في محلّ جزم ، و « ثمّ » خبر مقدم ، و « وجه اللّه » رفع بالابتداء ، و « ثمّ » اسم إشارة للمكان البعيد خاصة مثل : هنا وهنّا بتشديد النون ، وهو مبني على الفتح لتضمّنه معنى حرف الإشارة أو حرف الخطاب . قال أبو البقاء : لأنك تقول في الحاضر هنا وفي الغائب هناك ، وثمّ ناب عن هناك [ وهذا ليس بشيء ] « 1 » . وقيل : بني لشبهه بالحرف في الافتقار ، فإنه يفتقر إلى مشار إليه ، ولا ينصرف بأكثر من جره ب « من » . ولذلك غلط بعضهم في جعله مفعولا في قوله : وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ [ الإنسان : 20 ] ، بل مفعول « رأيت » محذوف . فصل في نفي التجسيم وهذه الآية من أقوى الدلائل على نفي التجسيم وإثبات التنزيه ؛ لأنه لو كان اللّه - تعالى - جسما ، وله وجه جسماني لكان مختصّا بجانب معين وجهة معينة ، ولو كان كذلك لكان قوله : « فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ » كذبا ، ولأن الوجه لو كان محاذيا للمشرق لاستحال في ذلك الزمان أن يكون محاذيا للمغرب أيضا ، وإذا ثبت هذا ، فلا بد فيه من التأويل ، ومعنى « وَجْهُ اللَّهِ » جهته التي ارتضاها قبلة وأمر بالتوجه نحوها ، أو ذاته نحو : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ القصص : 68 ] ، أو المراد به الجاه ، أي : فثمّ جلال اللّه وعظمته من قولهم : هو وجه القول ، أو يكون صلة زائدا ، وليس بشيء . وقيل : المراد به العمل قاله الفراء ؛ وعليه قوله : [ البسيط ] 751 - أستغفر اللّه ذنبا لست محصيه * ربّ العباد إليه الوجه والعمل « 2 »

--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) ينظر أدب الكاتب : 524 ، والأشباه والنظائر : 4 / 16 ، وأوضح المسالك : 2 / 283 ، وتخليص الشواهد : 405 ، وخزانة الأدب : 3 / 111 و 9 / 124 ، والدرر : 5 / 186 ، وشرح أبيات سيبويه : 1 / 420 ، وشرح التصريح : 1 / 394 ، وشرح شذور الذهب : 479 ، وشرح المفصل : 7 / 63 ، 8 / 51 ، والصاحبي في فقه اللغة : 181 ، والكتاب : 1 / 1 / 37 ، ولسان العرب [ غفر ] ، والمقاصد النحوية : 3 / 226 ، والمقتضب : 2 / 321 ، وهمع الهوامع : 2 / 82 .