عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
396
اللباب في علوم الكتاب
والثاني : أنه متعلّق بمحذوف على أنه حال من المفعول أي : تجدوا ثوابه مدّخرا معدّا عند اللّه تعالى ، والظّرفية هنا مجاز نحو : « لك عند فلان يد » . قوله تعالى : « إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ » أي : لا يخفى عليه القليل ولا الكثير من الأعمال فهو ترغيب وتحذير . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 111 إلى 112 ] وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 111 ) بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 112 ) اعلم أن هذا نوع آخر من تخليط اليهود ، وإلقاء الشبه في قلوب المسلمين . قوله تعالى : « إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً » . « من » فاعل بقوله : « يَدْخُلَ » وهو استثناء مفرغ ، فإن ما قبل « إلّا » مفتقر لما بعدها ، والتقدير : لن يدخل الجنّة أحد ، وعلى مذهب الفرّاء يجوز في « من » وجهان آخران ، وهما النّصب على الاستثناء والرفع على البدل من « أحد » المحذوف ، فإن الفراء رحمه اللّه تعالى يراعي المحذوف ، وهو لو صرّح به لجاز في المستثنى الوجهان المذكوران ، فكذلك جاز مع التقدير عنده ، وقد تقدّم تحقيق المذهبين . والجملة من قوله تعالى : « لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ » في محلّ نصب بالقول ، وحمل أولا على لفظ « من » فأفرد الضمير في قوله : « كانَ » ، وعلى معناها ثانيا فجمع في خبرها وهو « هودا » ، وفي مثل هاتين الجملتين خلاف ، أعني أن يكون الخبر غير فعل ، بل وصفا يفصل بين مذكره ومؤنثه تاء التأنيث . فمذهب جمهور البصريين والكوفيين جوازه ، ومذهب غيرهم منعه ، منهم أبو العبّاس ، وهم محجوجون بسماعه من العرب كهذه الآية ، فإن هودا جمع « هائد » على أظهر القولين ، نحو : بازل وبزل ، وعائد وعود ، وحائل وحول ، وبائر وبور . و « هائد » من الأوصاف ، الفارق بين مذكّرها ومؤنثها « تاء » التأنيث ؛ قال الشاعر : [ المتقارب ] 738 - وأيقظ من كان منكم نياما « 1 » و « نيام » جمع نائم ، وهو كالأول . وفي « هود » ثلاثة أقوال : أحدها : أنه جمع هائد كما تقدم .
--> ( 1 ) لم نهتد إلى قائله وتتمته ، وينظر معاني القرآن : 1 / 73 ، والبحر : 1 / 520 ، والدر المصون : 1 / 343 .