عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
393
اللباب في علوم الكتاب
بشبهة يلقيها إليه ، لأنّ المحق لا يعدل عن الحق إلّا بشبهة ، والشبهة ضربان : أحدهما : ما يتّصل بالدنيا ، وهو أن يقال لهم : قد علمتم ما نزل بكم من إخراجكم من دياركم ، وضيق الأمر عليكم ، واستمرار المخافة بكم ، فاتركوا الإيمان الذي ساقكم إلى هذه الأشياء . والثاني : في باب الدين : بطرح الشبه في المعجزات ، أو تحريف ما في التوراة . فصل في المقصود بأمر اللّه قوله : « فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ » يحتمل أمرين : الأول : أن المراد ترك المقابلة والإعراض عن الجواب ؛ لأن ذلك أقرب إلى تسكين الثائرة في الوقت ، فكأنه - تعالى - أمر الرسول بالعفو والصفح عن اليهود ، فكذا أمره بالعفو والصفح عن مشركي العرب بقوله تعالى : قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ [ الجاثية : 14 ] وقوله : وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا [ المزمل : 10 ] ولذلك لم يأمر بذلك على الدوام ، بل علّقه بغاية ، فقال : « حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ » . وذكروا فيه وجوها : أحدها : أنه المجازاة يوم القيامة عن الحسن . وثانيها : أنه ] « 1 » قوة الرسول صلوات اللّه وسلامه عليه وكثرة أمته . وثالثها : وهو قول أكثر الصحابة والتابعين رضي اللّه عنهم ، أنه الأمر بالقتال ؛ لأن عنده يتعين أحد أمرين : إما الإسلام ، وإما الخضوع لدفع الجزية ، وتحمل الذل والصّغار ، فلهذا قال العلماء : إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ [ التوبة : 29 ] . وروي أنّه لم يؤمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بقتال حتى نزل جبريل - عليه الصلاة والسلام - بقوله : أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا [ الحج : 39 ] وقلّده سيفا فكان أول قتال قاتل أصحاب عبد اللّه بن جحش ب « بطن نخل » ، وبعده غزوة « بدر » . فإن قيل : كيف يكون منسوخا وهو معلق بغاية كقوله : ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ [ البقرة : 187 ] . وإن لم يكن ورود الليل ناسخا ، فكذا هاهنا . فالجواب : أن الغاية التي تعلق بها الأمر إذا كانت لا تعلم إلا شرعا لم يخرج ذلك الوارد شرعا عن أن يكون ناسخا ، ويحلّ محل قوله تعالى : « فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا » إلى أن أنسخه عنكم .
--> ( 1 ) سقط في أ .