عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

38

اللباب في علوم الكتاب

المعتزلة : لفظ اللّقاء لا يفيد الرؤية ، لقوله تعالى : فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ

--> - كذلك يدل على أن التأبيد المستفاد من قوله تعالى : ( لَنْ تَرانِي ) إنما هو موقوف على عدم تغيير الحال ؛ يؤيد ذلك ما رواه أبو الشيخ عن ابن عباس وفيه يقول : ( يا موسى إنه لن يراني أحد فيحيا ، قال موسى : رب ، إن أراك ثم أموت أحب إلي من ألا أراك ثم أحيا ) وقد نبّه - جل شأنه - بقوله : ( لَنْ تَرانِي ) مع وجود المانع وهو الضعف عن تحملها ؛ حيث أراه ضعف من هو أقوى من وتفتته ، عندما تجلّى عليه الرب ، وغشية ذو الجلال والإكرام . فكان الجبل وتماسكه ، وعاد الجبل متقوص الأركان ، ومتداخل الأجزاء ، سقيم القوام ، وكان موسى وعاد فاقد الحياة ؛ لطلب هذه الرؤية من الانكشاف وهو باق على حياله . أفاق موسى واسترد حياته ، وقال : « سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ » أنزهك من أن أسألك شيئا بغير إذنك تبت عن الإقدام وأنا أول المؤمنين بأن لا يراك أحد في هذه النشأة ، وليس كما يزعم الخصم من أن التوبة دليل العصيان . فكان موسى يعلم امتناعها ، وقد طلهبا وهي ممتنعة بل ثاب من طلب الرؤية بغير إذن ، وكيف لا يتوب وهو الرب صاحب الجبروت ، وهو موسى المصطفى الكليم ، وقد قيل : ( حسنات الأبرار سيئات المقرّبين ) . إلى هنا كان حتما أن نبين أن أهل السنة كانوا في غنية عن أدلة الجواز ، لكن دفعهم أن ما سيكون من الأدلة على الوقوع سمعي فحسب ، قد يأتيها الخصم بمنع إمكان المطلوب ؛ لأجل هذا مهدوا الطريق للوقوع ، فبرهنوا على الجواز بالأدلة النقلية والعقلية ، وكان سلوكهم بهذا الطريق كافيا في الاستدلال على الوقوع بالدليل النقلي . ولقد كانوا على حذر من المعتزلة ، فلم يركنوا إلى القول بأن الأصل في الشيء - لا سيّما فيما ورد فيه الشرع - هو الإمكان ؛ لأن هذا إنما يحسن في مقام النظر والاستدلال ، دون المناظرة والاحتجاج ؛ كذلك لم يكن منهم في بيان الجواز أن العقل إذا خلّي ونفسه ، لم يحكم بالامتناع ؛ لأن هذا هو الإمكان الذهني ، وليس محلّ النزاع ، فالخصم يقول : العقل بعد التخلية لا يحكم بامتناع الرؤية ؛ كما تقول أهل السنة ، لكن بعد ملاحظة الدليل من كونه - تعالى - منزها عن المكان والجهة ، وليس جسما ؛ كما أنه غير مكيف بالعوارض التي هي شروط الرؤية يحكم بامتناعها ، والحق أنه يصحّ أن يكون محلّ النزاع ؛ لأن العقل إذا كان حاكما بالجواز بعد التخلية ، عملنا بالظواهر الدالة على الوقوع ، ما لم يقم دليل على الامتناع ؛ إذ لا يمكن صرف الظواهر ، ولا التوقف فيها بمجرد احتمال أنه يظهر دليل عقلي على الامتناع ، وإلا توقّف العمل بالظواهر الواردة في الأحكام الشرعية . وإذا كفى أن عدم حكم العقل بعد التخلية كاف بالعمل بالظواهر ، وإذا ظهر أنه يصحّ أن يكون محلّا للنزاع - كفى في الاستدلال على الجواز أن يقال : العقل حاكم بجواز الرؤية ، وما حكم العقل به ما لم يقم دليل على بطلانه ، يجب قبوله ، وإلا لارتفع الإمكان عن العقل ، فإثبات صحة الرؤية بأدلة ذكروها مستغنى عنه ، لكن حيث ذكرت كان علينا أن نبيّن وجهة النظر في الآية الكريمة بطريق منطقي ، وهي من وجهين : الأول : وحاصله قياس استثنائي يقرّر هكذا : لو لم تكن رؤيته تعالى جائزة في الدنيا والآخرة ، ما طلبها موسى - عليه السلام - من ربه ، لكنه طلبها ؛ فهي جائزة . أما دليل الملازمة : فلأنه لو طلبها مع كونها ممتنعة ، فلا يخلو : إما أن يكون موسى - عليه السلام - عالما بامتناعها ، أو جاهلا به ، وكلاهما مناف لمقام نبوته - عليه السلام - . أما الأول : فلأن طلب المحال مع العلم بأنه محال ، يكون عبثا ، ولا شك أن العبث مما يتنزه عنه كلام العقلاء ، فضلا عن النبي المصطفى بالتكليم ، أحد أولي العزم . -